*تقرير – أعده الكاتب اليمني صلاح ذو الفقار*
أن ما تشهده محافظات جنوب اليمن وشرقه من استمرار للتظاهرات وخروج السكان المحليين ليفرشوا الأرض في صيف حار بلغ 48 درجة، يعتبر منعطفاً سياسياً وعسكرياً بالغ التعقيد. هي رسائل دفعت حكومة الزنداني الشعب لرفض التواجد السعودي شرق اليمن ووقف ممارسة أي دور لها في غربها .. يمثل رسائل سياسية حادة وابتزاز سياسي لاستنزاف الخزينة السعودية وإجبارها على الدفع مقابل الشرعنة لتواجدها، حيث أدى الفشل الإداري المتعمد لحكومة رئيس الوزراء الدكتور شائع محسن الزنداني في إدارة الملفات الخدمية والاقتصادية إلى موجة عارمة من الغضب الشعبي. وترجم هذا الغضب في تظاهرات حاشدة اجتاحت عدن وحضرموت (مثل “ثورة النساء” في عدن مطلع يونيو 2026). ولم تعد هذه الأزمة مجرد انهيار محلي للخدمات، بل تحولت بفعل التجاذبات الإقليمية والمحلية إلى خطر مباشر يهدد المصالح الاستراتيجية للمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة
أن الفشل الخدمي ادي الي اندلاع التظاهرات في عدن وحضرموت مدفوعة بانهيار خدمة الكهرباء، ووصلت ساعات الانقطاع إلى مستويات كارثية تتجاوز 16 ساعة يومياً من التشغيل المبرمج في ظل صيف لاهب. وارتفعت حالات الوفيات من كبار السن والمرضى وعجزت المستشفيات عن استقبال الحالات لنفاد كميات الديزل الخاصة لهذه المنشآت. وجاءت خطوة عضو المجلس الرئاسي ومحافظ حضرموت، سالم أحمد الخنبشي، لتقضي على أي تواجد سعودي في شرق اليمن وغربها بمنع تموين محطات توليد الطاقة في عدن بالنفط الخام المكدس في خزانات حضرموت لتشكل الضربة القاضية في حين برر الخنبشي خطوته بعدم التزام الحكومة بتوريد حصة حضرموت البالغة 20% من العائدات. لكن النتيجة المباشرة كانت حرمان عدن من الوقود اللازم لتشغيل الكهرباء ومقايضة الخدمات الأساسية للمواطنين بالحسابات السياسية والمالية. هذا الحصار الخدمي المتبادل بين المحافظات الجنوبية والشرقية عز من حالة السخط الشعبي ووجه بوصلة التنديد مباشرة نحو الرياض.
الشارع اليمني يرى أن التحالف بقيادة السعودية هو المسؤول الأول عن التغطية على هذا العجز الإداري، مما أدى إلى تأجيج الشارع اليمني ضد الدور السعودي.
ويتجاوز الخطر حدود انقطاع التيار الكهربائي؛ فالتصعيد في حضرموت يضع شرق اليمن بالكامل في دائرة الاضطراب العسكري والسياسي:
تمثل حضرموت والمهرة النطاق الحيوي للأمن القومي السعودي. وإن تحول السخط الشعبي إلى مواجهات مسلحة أو فراغ أمني يفتح الباب لعودة المواجهات الإقليمية بالوكالة، وهو ما يهدد المشاريع والخطط السعودية الاستراتيجية في الشرق اليمني.
حالة الغليان في عدن ومحيطها الجغرافي تنعكس مباشرة على استقرار الساحل الغربي والممر الدولي في باب المندب والمجرى الملاحي للبحر الأحمر، في وقت حساس تعاني فيه المنطقة من اضطرابات ملاحية واسعة.
فقد أصبح استمرار حكومة الزنداني في ظل هذا العجز الإداري والخدمي بمثابة “رسالة سلبية” حيث ان الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية تريا استقرار المحافظات المحررة يمثل حجر الأساس لمنع تمدد نفوذ الجماعات المسلحة وتأمين الملاحة الدولية. وبقاء حكومة عاجزة عن توفير الكهرباء والماء والمرتبات، وتتسبب بقراراتها في إشعال الشارع، يعطي الذريعة لخصوم التحالف لتوسيع نفوذهم، وهو ما يُعد تقويضاً غير مباشر لجهود التهدئة التي ترعاها واشنطن والرياض.
في الوقت نفسه تستنزف الأزمات المتلاحقة لرأس السلطة التنفيذية في عدن الرصيد السياسي والدبلوماسي للمملكة العربية السعودية في اليمن. ومع كل مظاهرة تخرج في عدن أو المكلا، يفقد مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الموالية له شرعيتهما الشعبية. الأمر الذي يسحب البساط تدريجياً من تحت النفوذ السعودي لصالح قوى محلية أو إقليمية مناهضة للوجود السعودي.
ان حكومة الزنداني لم تعد تواجه أزمة تسيير أعمال، بل باتت تشكل عبئاً سياسياً واستراتيجياً. إن الاستمرار في حرمان عدن من نفط حضرموت بقرار من الخنبشي، والعجز الحكومي المطبق عن إدارة ملف الخدمات، يعجّل بانفجار مجتمعي شامل. وهذا الانفجار لن تتوقف شظاياه عند حدود الساحل الجنوبي، بل سيهدد بشكل مباشر المصالح السعودية الحيوية في شرق البلاد والممرات المائية الدولية الاستراتيجية.