اخبار

منير أديب يكتب: في ذكرى ثورة 30 يونيو.. الأمن الوطني والبقاء المصري

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر

لم تكن السنوات التي سبقت عام 2013 وما أعقبته مجرد مرحلة سياسية عابرة في تاريخ مصر الحديث، بل كانت اختبارًا وجوديًا للدولة ومؤسساتها وقدرتها على البقاء في مواجهة موجات متلاحقة من الاضطراب والفوضى والاستقطاب الحاد. 

وفي خضم تلك التحولات الكبرى، برزت أجهزة الأمن والمعلومات باعتبارها أحد أهم أعمدة الحفاظ على تماسك الدولة، ليس فقط من خلال أداء مهامها التقليدية المرتبطة بالأمن والاستقرار، وإنما عبر دور أكثر عمقًا يتعلق بحماية الكيان الوطني نفسه من مخاطر التفكك والانقسام.

لقد شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال تلك الفترة انهيار دول ومؤسسات عريقة تحت ضغط الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية وصعود التنظيمات المتطرفة، بينما استطاعت مصر وحدها دون غيرها أنّ تتجاوز واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخها المعاصر. 

ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل، كان من بينها قدرة الأجهزة الأمنية والمعلوماتية على قراءة المشهد المعقد في بدايته واستشراف المخاطر التي تُهدد الدولة قبل تحولها إلى واقع يصعب احتواؤه، وهنا كانت الرؤية استباقية وتُعبر عن منطق واضح.

ومع تصاعد نفوذ جماعات العنف والتطرف ومحاولاتها استغلال حالة السيولة السياسية لتحقيق أهداف تتجاوز العمل السياسي إلى إعادة تشكيل الدولة والمجتمع وفق رؤى أيديولوجية ضيقة، وجدت المؤسسات الأمنية نفسها أمام معركة متعددة الأبعاد، لم تكن المواجهة مقتصرة على ملاحقة العناصر المسلحة أو إحباط العمليات الإرهابية، بل امتدت إلى مواجهة شبكات التجنيد والتعبئة والتحريض، ورصد مصادر التمويل والدعم، وكشف الارتباطات التي كانت تسعى إلى استغلال الظروف الداخلية لفرض واقع جديد على البلاد.

وفي الوقت الذي كانت فيه التنظيمات المتطرفة تُراهن على إنهاك الدولة وإرباك مؤسساتها، نجحت الأجهزة الأمنية والمعلوماتية في بناء منظومة مواجهة اعتمدت على جمع المعلومات وتحليلها والتعامل الاستباقي مع التهديدات. وقد انعكس ذلك في إحباط العديد من المخططات التي استهدفت مؤسسات الدولة والمواطنين والبنية التحتية، كما ساهم في تقليص قدرة الجماعات الإرهابية على الحركة والتأثير وتوسيع نطاق نشاطها.

غير أنّ أحد أهم أبعاد هذه المواجهة تمثل في حماية الهوية المصرية ذاتها، فالصراع لم يكن أمنيًا فقط، بل كان صراعًا على طبيعة الدولة وشخصيتها الحضارية والثقافية.

 إذ سعت جماعات التطرف إلى تقديم تصورات أحادية للمجتمع تتعارض مع الطبيعة التاريخية لمصر بوصفها دولة وطنية متعددة الروافد الثقافية والحضارية، قامت عبر تاريخها على الاعتدال والتنوع والانفتاح، ومن هنا أصبح الدفاع عن الأمن الوطني مرتبطًا بالدفاع عن الهوية الوطنية، لأن استهداف أحدهما كان يُعني بالضرورة استهداف الآخر.

لقد أدركت الدولة أنّ المعركة الحقيقية لا تُحسم بالقوة وحدها، وإنما بالوعي أيضًا ولذلك جاءت الجهود الأمنية متكاملة مع مسارات أخرى استهدفت تعزيز الاستقرار المجتمعي وترسيخ قيم المواطنة ومواجهة الخطاب المتطرف وتجفيف منابعه الفكرية. وكان الهدف النهائي هو حماية المجتمع من الانجرار إلى دوائر العنف والانقسام التي عصفت بدول أخرى في المنطقة.

وعندما يُنظر اليوم إلى ما مرت به مصر خلال تلك السنوات، يُتضح أنّ الحفاظ على الدولة لم يكن نتيجة عامل واحد أو مؤسسة واحدة، بل ثمرة تفاعل جهود عديدة شاركت فيها مؤسسات الدولة والمجتمع. 

ومع ذلك يبقى دور أجهزة الأمن والمعلومات أحد العناصر الحاسمة في تجربة الحفاظ على الدولة من السقوط، لأنها كانت في قلب المواجهة مع التحديات الأكثر خطورة، ولأنها اضطلعت بمسؤولية حماية الاستقرار الوطني في لحظة كانت فيها الدولة تواجه ضغوطًا غير مسبوقة.

لقد كانت تلك المرحلة درسًا في أهمية المؤسسات الوطنية وقدرتها على الصمود عندما تتعرض الدول لاختبارات مصيرية، وهنا تبدو أهمية المؤسسات الوطنية والقوية في الحفاظ على الدولة في مراحل الأزمات والحروب والصراعات سواء كان مصدرها داخلي أو خارجي.

 في قلب هذا الدرس يبرز الدور الذي قامت به أجهزة الأمن والمعلومات باعتبارها خط الدفاع الأول عن الدولة المصرية، والحارس الأمن للاستقرار والسد المنيع في مواجهة الإرهاب والتطرف، والشريك الأساسي في الحفاظ على الهوية الوطنية التي ظلت على امتداد التاريخ أحد أهم عناصر قوة مصر واستمرارها.