اخبار

محمود الحضري يكتب:كبد مصباح قطب والأمل في الحياة

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
محمود الحضري يكتب:كبد مصباح قطب والأمل في الحياة

“عندما تعيش الألم والتجربة يحدث الفرق”، تلك العبارة تلخص نتاج المعايشة عندما تقرأ الحكايات في سرد مميز في حالة من الصدق، حتى لو عشت كل الحكاية أو جزءًا منها حيث تصدّق كل كلمة، وتعيش ما يعانيه الكاتب..

هذا هو الإحساس عندما قرأت التجربة الذاتية التي حكاها بدقة صديق العمر والتاريخ والعمل للزميل مصباح قطب على صفحات (في انتظار معجزة)، فالفرق في القراءة أنني قد عشت مع مصباح بدايتها عند أول قيء دموي ونحن في مقر جريدة الأهالي 23 عبد الخالق ثروت بالقاهرة في أوائل عام 1986، ومن الأهالي إلى مستشفى المؤسسة العلاجية بالملك الصالح، والإقامة معه حتى استئصال الطحال، وإجراء جراحة ربط دوالي المريء، وسط دموع الأم والأخوات والإخوة، حتى الخروج من المستشفى لتبدأ رحلة جديدة من الحياة ثم المرض.

لم ولن أنسى التفاصيل كلها، وحجم القلق والخوف، والتمسك بالأمل بين رائحة الموت في غرف مجاورة، ونفس الحكايات ذاتها عشتها بعد ذلك مع مرضى من أبناء وبنات العم والعمة مع الأخت بنفس المرض الملعون (الكبد المنهك إلى درجة التهالك).

قصة مصباح هي ذاتها قصة الفقراء في ريف مصر، وثمن الغُربة بحثًا عن لقمة عيش أفضل، وحياة كريمة بالعرق والدم، بل هي قصة عن تحديات فرضتها عوامل وتداعيات الفساد والظلم والإهمال.

مصباح يذكرنا في الطريق إلى حكايته بكثير من المآسي التي مر بها أهل مصر في بحري والصعيد، وأشهرها حادث غرق الباخرة سالم اكسبريس، وذكرني بابن الخال (محمود طمان” الذي قضى نحبه غرقًا بمياه البحر الأحمر، في حادث لعين، حاملا معه كل الأمانات التي كان مؤتمنًا على نقلها لزوجات وأولاد من ظلمتهم الغربة، بحثًا عن الرزق.

تجربة مصباح الذاتية، هي تجربة أهل الريف، وداء البلهارسيا، والحياة مع مآسي تآكل الأكباد، مع مآسٍ اجتماعية وإنسانية، وحكايات دودة القطن، والبحث عن حل سماوي حتى لو لم يتحقق، والشقاء في العمل، وإن غابت سهوًا في السرد قصة (درَّاس القمح) في زمن (النورج) بالمواشي والجرار الزراعي بعد ذلك.

بدايات داء البلهارسيا واحد في كل القرى، والسبب السباق في ترعة القاصد كما في حكاية مصباح، أو في ترعة الأورمان كما هو الحال في قريتي ميت غراب بريف الدقهلية، والترع الأخرى في ريف مصر شمالا وجنوبًا، واستخدام نفس المفردات في سباق سباحة الترع “ابن جمال عبد الناصر، أو أبوه جمال عبد الناصر”، هو من يسبح مسافات أطول، وحمام يوم شم النسيم مع ساعات الصباح الأولى، وبعدها تبدأ رحلة العلاج مع دستة “حقن الطرطير” الأشهر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

الرابط المشترك مع مصباح هو نفس الحياة بين أبناء الريف، والبداية نفسها محررين في جريدة الأهالي التي جمعتنا دفاعًا عن كل من هم نفس الشبه في المعاناة والفقر، وأتذكر يوم زفاف مصباح على شريكة عمره المرحومة المهندسة سلوى في بور فؤاد، وارتبطنا برحلة عمل وتعلّم وتعليم فيما بعد في مهنة لا بد أن تبحث فيها عن المتاعب، وتكليفات لتبحث عن المعلومة، لصحيفة تعتبرها المؤسسات الحكومية وقتها، من “الأعداء”.

 وما عليك سوى البحث عن المعلومة، عن منظومة التأمين الصحي، أو بيع النصر للسيارات لشركة جنرال موتورز برعاية من المشير أبو غزالة، أو مشروع أمركة السد العالي، أو إمبراطور فوة، ومافيا جمعيات استصلاح الأراضي أو مافيا توظيف الأموال، أو صفقات الفساد في بيع طائرات مصر للطيران، وغيرها من الحملات الصحفية بدايتها معلومة صغيرة، تتردد في أوساط، أو في رسالة من قارئ.

وفي مرحلة متقدمة من مرض مصباح بالكبد الوبائي، تابعتها عن بُعد خلال سفري للعمل بالإمارات، وحملة التبرعات للعلاج من أجل زراعة كبد، وكانت حملة تضامن واسعة، كشفت عن حجم الحب لمصباح بين أصدقاء مصريين وغير مصريين لم يعرفوه مباشرة، وكل معرفتهم به أو عنه هي مجرد حكايات سردية نرويها عنه.

(في انتظار معجزة”، هي حكاية أمل بالفعل، وقعت في مستشفى (كوين اليزابيث) ببرمنجهام في بريطانيا، من أجل زراعة كبد رجل ثمانيني لجسد شاب في الأربعين، وترى وتعيش تفاصيلها، في حكايات سردية على لسان بطلها في تجربته الذاتية، ومن خلال السرد على طريقة مصباح كأنها شريط مصور بكل التفاصيل، ولا تخلو من الأبعاد الإنسانية والاجتماعية، في شرح طبي لكل مريض كبد، مع نداءات لتوسيع زراعة الكبد من الأحياء والأموات لإنقاذ حالات تحتاج رعاية.

مصباح في تجربته الذاتية على صفحات “في انتظار معجزة”، لم يقف عند زراعة الكبد فقط، بل امتدت إلى التعايش مع كبد مزروع، حيث يحمل عمرين الأول عمره الطبيعي، وهو في مطلع السبعينيات حاليًا وعمر كبد (المزروع) لرجل من المفترض انه في عمر المئة عام الآن.

والكتاب القريب للسيرة الذاتية، يحمل الكثير من المعلومات لمرضى الكبد، والآثار الجانبية، لما بعد زراعة الكبد، وتأثيرها على قوة عضلة البطن، والأعراض غير المفهومة، وبطء مرور الطعام، ويحمل الكتاب الكثير من النصائح الطبية، ولكن يعتب الكاتب على شركات صناعة الدواء عدم الاهتمام بملاحظات مرضى الكبد وزراعته لتطوير الأدوية.

مصباح في تجربته الذاتية، صريح وليس لديه أسرار، وأوراقه مكشوفة، لم يخف شيئًا حتى في الحديث عن دخله، وكأنه يقدم إقرار ذمة مالية، عن الدخل والميراث، ولم يخف أزمات مر بها في الأهالي والمصري اليوم، وموقف الدكتور رفعت السعيد منه، والعلاقات مع الزملاء على مدى 45 عامًا، وحياة بلا ثروة ولا مال، ولكن بعلاقات وحب الناس وتجارب ناجحة.. صباح ومساء الرضا “يا مص” كما أحب أناديه.

من يقرأ تجربة مصباح الذاتية، يقف عند قصة زوجة مثل باقي زوجات ملايين المرضى بالكبد والأمراض العضال الأخرى، وكيف تحملت المرحومة م. سلوى، آلام مصباح، وتفاصيل حالات الغيبوبة لأيام طويلة، وكيف كان حالها، ومواقفها مما يحدث، والتوازن النفسي بين الرعاية وتحمل الآلام والتي وصلت على مرحلة تفوق قدرات البشر، ورعاية تربية بنتين وولد، بينما زوجها بين الحياة والموت، وشبح انسان، واللحظة المنتظرة للمعجزة، ..  شخصيا كنت أتمنى أن نقرأ تجربة الزوجة ورحلة الطريق للمعجزة.