تتحول القرى بمحافظة المنيا الى ساحة للأفراح والكرنفالات الشعبية على حتى شهر ذى الحجة من كل عام مع بداية عمليات تفويج الحجاج التي تستمر حتى نهاية شهر ذي الحجة حيث تبدأ رحلات العودة الى الوطن وسط فرحة عارمة بين الأهل والجيران، يستقبل الأهالى الحجاج العائدين بمواكب الإحتفالات والزينة والأفراح والجداريات والولائم، والتي تمثل طقوس تراثية متوارثة تعد أحد أهم مظاهر التراث الشعبي المصري التي تستحق التوثيق والحفاظ عليها كجزء من الهوية الثقافية والتراثية المصرية.

حكايات الفرحة فوق الجدران
قبل عودة الحجاج إلى منازلهم تتحول واجهات المنازل الى لوحات فنية تتنوع فيها الرسومات التي توثق رحلة الحج، ويقول الرسام أبو شريف الشهير بالأصلي، أبن محافظة المنيا:
” تعتبر جداريات الحج واحدة من أروع لوحات الفن الفطري والتراث الشعبي الأصيل في الصعيد، فهي ليست مجرد لوحات على جدران المنازل، لكنها حالة فنية توثق رحلة الحج، كما أنها بمثابة إعلان لكل زوار القرية أن بهذا المنزل حاج زار الأراضي المقدسة.


ويضيف الأصلي، يبدأ رسم الجداريات الخاصة برحلة الحج بعد سفر الحاج إلى الأراضي المقدسة، ولابد أن ينهي الرسام عمله قبل عودة الحاج بأيام قليلة، حيث يتحول جدار المنزل الذي يشكل واجهته الى لوحة فنية، يُستخدم في رسمها ألوان زاهية مبهجة تعكس الفرحة بعودة الحاج من هذه الرحلة المقدسة.

ويتم الرسم باستخدام عبارات التهنئة مثل “حج مبرور وذنب مغفور ” بجانب رسوم تمثل الكعبة والمسجد النبوي، إضافة إلى رسم وسيلة السفر سواء “طائرة أو سفينة ” وكتابة جمل قد تكون من أغنية أو قصيدة أو حديث شريف، مثل: “يا رايحين للنبي الغالي.. هنيالكم وعقبالي” ومن الضروري كتابة اسم الحاج وسنة الحج (بالتاريخ الهجري والميلادي) بقصد توثيق الحدث تاريخيًا.

الحفاظ على تراث جداريات الحج من الإندثار
ويتابع أبو شريف، تتميز جداريات الحج باستخدام لغة بسيطة ومفردات فنية مباشرة يفهمها الجميع، بالإضافة إلى أن الرسم يتضمن مجموعة من العناصر والرموز الثابتة، لافتًا أن الأهالي في كثير من القرى ينظرون إلى هذه الرسومات كعمل ضروري للإعلان عن الحاج، كما يعتقد البعض أن تلك الرسومات تضفي على البيت بركة وتمنحه شيء من المهابة الدينية.


وعن مدى رواج الرسم على الجدران يقول الأصلي:” تلجأ بعض العائلات الآن إلى طباعة “بانرات” جاهزة من الفينيل بها صور للكعبة والطائرة، وتقوم بوضع البانر على الجدار، بدلًا من رسم الجداريات، وبالطبع يؤثر هذا الاتجاه على إندثار هذا الطقس التراثي بشكل تدريجي، وهو ما يساهم في نسيان هذه المهنة التراثية وتلك الذكرى الروحية، إذ أن البانرات تتعرض لأشعة الشمس وتبهت ألوانها ويتمزق الفينيل، كما أن استخدام هذه الطريقة الحديثة لا يعطي الإحساس ولا البعد الروحي المختلط بالبهجة والفرحة بإتمام هذه الرحلة المقدسة.

ويشير أبو شريف، لمواجهة هذا الاتجاه الجديد، بدأت في استخدام ألوان فسفورية في كتابة العبارات وأيضا في الرسومات، إذ أن الألوان الفسفورية تتميز بأنها تتوهج ليلا وفي الظلام وهو تحسن أدخلته على شغلي، وكان لذلك مردودًا كبيرًا حيث كانت هذه الألوان تلفت الأنظار، وقمت بتنفيذ العديد من الجداريات باستخدامها بناء على طلب الزبائن، وكان الإقبال عليها كبيرًا.
موكب الأفراح والزينة “استقبال الحجاج “
يمكن بسهولة رصد العديد من مظاهر الفرح والاحتفال منذ لحظة توديع الحجاج وحتى استقبالهم بعد العودة من الأراضي المقدسة، وتتجلى تلك المظاهر في سماع الأغاني الدينية الشعبية وتنفيذ الرسومات والزغاريد لتجسد جميعها لوحة تراثية فريدة تعكس المكانة الروحانية لهذة الشعيرة في قلوب المصريين.

ويقول عماد حسن، موظف من مركز أبوقرقاص بمحافظة المنيا والذي ينتظر والده عائدا من رحلة الحج، أنه يجهز لموكب إستقبال والده مع باقي حجاج القرية، حيث تحتشد أسر الحجاج وأقاربهم وأصدقائهم في المطارات أو الموانئ لاستقبال الحجاج بالزغاريد، ونستعين بفرق موسيقية شعبية ترافق الحاج عند عودته لمنزله بالطبل والمزمار، كما يتم تزيين السيارات التي تقل الحجاج إلى منازلهم بالورود، ونضع عليها أعلام مصر والسعودية بالإضافة إلى الرايات البيضاء.
، ويضيف عماد، نقوم أيضا بذبح الذبائح على أعتاب البيوت التي منها خرج الحجاج، وأيضًا نزين مداخل المنازل بجريد النخيل وسعفه الأخضر والزينة الملونة، وتعلق لمبات الإضاءة في الشارع، وذلك لاستقبال الحاج والزوار الذين يأتوا للتهنئة بعودة الحاج، ووتقام الولائم للمهنئين.
المضايف والولائم وكاسات الشربات الأحمر وجداول الطبخ
وبالتوازي مع الزينة ورسم الجداريات يقوم الأهل والجيران بتجهيز الولائم والضيافة التي يتجمعون عليها مع الحجاج العائدين في عرس شعبي يخلد رحلة الحج ويمزج بين تقاليد الكرم والروحانيات.
يقول علاء عبد الرحمن، موظف من مركز أبوقرقاص، والذي ينتظر عودة عمه من الأراضي المقدسة، يجهز أهل وجيران الحاج مأدبة طعام كبرى للأقارب والجيران والمهنئين، كما يقومون بتوزيع التمور والحلوى وكاسات الشربات الأحمر على الجيران، وتظل أبواب بيت الحاج مفتوحة لأيام عديدة تصل إلى أسبوع أو أكثر لاستقبال المهنئين.
ويضيف علاء، يقوم الجيران والأقارب بإرسال مضايف طعام تسمى “الضيافة ” او “واجب الحجاج ” لمساعدة الحجاج بعد عودتهم من السفر، حيث يكون الحاج مجهدًا من السفر ومستقبِلًا للمهنئين على مدار الساعة فيقومون بإرسال الضيافة “صينية الطعام ” تحتوى على الطواجن والمشويات والفتة والكمونية وكباب الحلة وطواجن حلويات العجول، “، وهو تقليد غرضه تخفيف العبء عن أهل بيت الحاج، حيث يتناوب الجيران والأقارب على إرسال وجبات الغداء والعشاء لبيت الحاج طوال الأيام الأولى لعودته ولايكون هذا الطعام لأهل البيت فقط، بل يُكون بكميات كبيرة تكفي جموع المهنئين الذين يتوافدون للمباركة.
ويتابع علاء، يتم تنظيم ضيافة الحجاج بين الجيران وفق جداول ومواعيد حيث يتواصل الجيران مع بعضهم لتنسيق الأدوار في إرسال الولائم والضيافة لضمان تغطية الأسبوع الأول بعد عودة الحجاج، مشيرا أنه إذا كان الجار الملاصق لبيت الحاج لا يملك القدرة المالية لطبخ وليمة كبيرة، فإنه يشارك بـالمجهود في طبخ الولائم.
طقس رد الأواني ببركة الحاج
وتقول الحاجة أم محمد، أن لهذه العادات تقاليد معروفة فلا تعاد الأواني والحلل والصحون التي أرسل فيها الجيران الطعام إلى بيت الحاج، فارغة حيث يقوم أهل الحاج بغسل الأواني جيدا وإعادتها لأصحابها وبها “بركة الحاج ” وهى كميات من ماء زمزم وتمور وهدايا مثل السبح والمصاحف والطرح والجلاليب البيضاء وسجاجيد الصلاة.
ذكريات رحلة الحج
تقول الحاجة سهير وهبة العائدة من أداء مناسك الحج، أنها كانت تنتظر هذه الرحلة منذ سنوات وأنها لاتستطيع التعبير عن فرحتها بإتمامها، وتصف الجانب الروحي من هذه الرحلة فتقول جملة “لبيك اللهم لبيك” ليست مجرد كلمات، بل هي ارتفاع وحالة روحية يعيشها الحاج من الصعب التعبير عنها ببساطة، فشعور الاستجابة لنداء إبراهيم الخليل عليه السلام، شعورالطمأنينة التي غالبًا ما تستدعي البكاء من عظمة هذا الشعور.
والمشي لمسافات طويلة بين المشاعر
وعن مشاق الحج الجسدية تقول، كانت ليلة المبيت في مزدلفة أكثر مناسك الحج تعبا من الناحية الجسدية، لكنها في الوقت ذاته من أكثرها نقاء من الناحية الروحانية حيث النوم في الهواء الطلق بعد مجهود عرفات، وذلك لأن مزدلفة عبارة عن فضاء مفتوح يبيت فيه الحجاج على الحصى أو على سجادات صلاة خفيفة في الهواء الطلق مما يمثل مشقة ولكن تسمو فيها الروح بشكل لايوصف فهدوء مزدلفة بعد ضجيج النهار وعرفه هو ليلة صافية تمنح الحاج سكينة ليلية هادئة تحت ضوء النجوم على الحاج أن يتدبر فيها عظمة الرحلة.