اخبار

عزت البنا يكتب: صعايدة يتحدون كبار المنتجين

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
عزت البنا يكتب: صعايدة يتحدون كبار المنتجين

خلال السنوات الأخيرة، فرضت منصات التواصل الاجتماعي واقعًا جديدًا على صناعة المحتوى، وأصبح من الممكن أن ينافس مقطع مصور بهاتف محمول إنتاجات تكلف ملايين الجنيهات، ومن بين أبرز الظواهر التي لفتت انتباهي شخصيًا، انتشار الحلقات والمسلسلات القصيرة التي يقدمها عدد من صناع المحتوى في الصعيد، مثل أبو همام الصعيدي، والحاج صديق، وأبو عشماوي، وأبو طه المنياوي، ويوميات الحاج سيد وحرمه فوزية، وحاتم الجعفري، والمدهش وغيرهم من الأسماء التي نجحت في تكوين جماهيرية واسعة خلال فترة قصيرة.

مؤخرًا، تابعت عددًا كبيرًا من هذه الأعمال، وبعضها حقق أرقام مشاهدة ربما تتفوق على برامج وقنوات كاملة. وهنا يفرض سؤال نفسه: ما الذي يجعل الجمهور يقبل على هذه الحلقات بهذه الكثافة رغم بساطة الإمكانات الفنية والإنتاجية؟

الإجابة في رأيي تبدأ من عنصر مهم جدًا وهو “الصدق”، ولعل أغلب هذه الأعمال لا تدعي ما ليست عليه، ولا تحاول تقليد الدراما التلفزيونية بشكل مصطنع، بل تقدم بيئتها الحقيقية وشخصياتها الطبيعية ولهجتها الأصلية. المشاهد يشعر أنه يرى أشخاصًا يشبهونه ويتحدثون بلغته ويناقشون قضاياه اليومية، ولذلك يحدث هذا الارتباط السريع بينهم وبين الجمهور.

بالطبع، لا يمكن القول إن كل ما يقدم على هذا المستوى متساوٍ في الجودة. هناك حلقات قوية ومكتوبة بشكل جيد، وأخرى تبدو أقل نضجًا من الناحية الفنية. لكن حتى في الأعمال التي تعاني من بعض نقاط الضعف، يبقى هناك عنصر لا يمكن إنكاره وهو الحضور الشعبي والقدرة على الوصول إلى الناس دون وسيط.

ما يلفت الانتباه أيضًا أن كثيرًا من هذه التجارب نجح في فهم طبيعة السوشيال ميديا أكثر مما فعلت بعض المؤسسات الإعلامية التقليدية. الجمهور اليوم لا يمتلك دائمًا الوقت لمتابعة حلقة تمتد لساعة كاملة، بينما يستطيع مشاهدة قصة متكاملة خلال ثلاث أو خمس دقائق. لذلك جاءت هذه الأعمال متوافقة مع طبيعة المنصات الرقمية؛ حلقات قصيرة، أحداث سريعة، فكرة واضحة، ونهاية تحمل رسالة أو مفاجأة أو موقفًا إنسانيًا يترك أثرًا لدى المشاهد.

لكن المثير للاهتمام حقًا أن هذه التجارب وضعت شركات الإنتاج الكبيرة أمام سؤال محرج: هل النجاح مرتبط دائمًا بالميزانيات الضخمة؟ فبينما تنفق بعض الأعمال ملايين الجنيهات على النجوم والديكورات والدعاية، استطاع عدد من شباب الصعيد أن يحققوا ملايين المشاهدات بكاميرا هاتف ومواقع تصوير طبيعية وقصص مستمدة من الواقع اليومي. لا يعني ذلك أن هذه الأعمال أفضل من الدراما الاحترافية، لكنه يعني أن الجمهور أصبح أكثر اهتمامًا بالفكرة الصادقة من حجم الإنفاق عليها. وهنا تحديدًا تكمن حالة التحدي؛ فهذه النماذج أثبتت أن الوصول إلى الناس لم يعد حكرًا على المنتج الكبير أو الانتاج الضخم، وأن الموهبة والقدرة على ملامسة وجدان الجمهور قد تحقق أحيانًا ما تعجز عنه الحملات التسويقية الضخمة.

ومن الأمور التي تستحق التقدير كذلك أن هذه الصفحات لم تعتمد على قالب واحد. فمرة نجد الكوميديا الشعبية، ومرة أخرى نتابع قصة اجتماعية، أو مشكلة أسرية، أو موقفًا يحمل قيمة أخلاقية أو إنسانية. هذا التنوع ساعدها على تجنب التكرار ومنحها مساحة أوسع للاستمرار والتطور.

لكن في المقابل، لا بد من الإشارة إلى أن هذه التجارب ما زالت بحاجة إلى مزيد من التطوير على مستوى الكتابة والإخراج وإدارة الأداء. فالموهبة وحدها مهمة، لكنها تصبح أكثر تأثيرًا عندما تجد من يصقلها ويوجهها. بعض الممثلين الذين يظهرون في هذه الحلقات يمتلكون بالفعل حضورًا لافتًا وقدرة فطرية على الأداء، ولو حصلوا على فرص تدريب حقيقية ربما نراهم قريبًا ضمن أعمال درامية وسينمائية أكبر.

وهنا أعتقد أن شركات الإنتاج والمؤسسات الفنية مطالبة بإعادة النظر إلى هذه الظاهرة بعيدًا عن الأحكام المسبقة. فبدلًا من التعامل معها باعتبارها مجرد محتوى سوشيال ميديا، يمكن اعتبارها مساحة لاكتشاف مواهب جديدة في التمثيل والكتابة والإخراج. التاريخ الفني مليء بأسماء بدأت من أماكن بسيطة جدًا قبل أن تصبح نجومًا معروفين، ولا يوجد ما يمنع أن يتكرر الأمر اليوم عبر المنصات الرقمية.

كما أن نجاح هذه النماذج يؤكد أن الجمهور ما زال يبحث عن الحكاية الجيدة أكثر من بحثه عن الإبهار البصري وحده. التكنولوجيا مهمة، والإنتاج القوي مهم، لكنهما ليسا بديلًا عن الفكرة الصادقة والشخصيات القريبة من الناس. وهذا ربما يكون الدرس الأهم الذي تقدمه هذه التجارب لكل العاملين في صناعة المحتوى.

في النهاية، أرى أن ما يحدث على صفحات صناع المحتوى في الصعيد ليس مجرد موجة عابرة، بل تجربة تستحق الدراسة والاهتمام. قد تختلف حول مستوى بعض الأعمال، وقد تنتقد جوانب معينة فيها، لكن لا يمكن إنكار أنها استطاعت أن تصنع جمهورًا حقيقيًا وأن تخلق حالة من التفاعل يصعب تجاهلها.

تحية لكل شخص قرر أن يستغل السوشيال ميديا في تقديم محتوى يحمل فكرة أو رسالة أو قيمة، بدلًا من السعي وراء الانتشار السريع فقط. فالموهبة الحقيقية لا تشترط استوديوهات ضخمة أو ميزانيات كبيرة، وأحيانًا تبدأ من هاتف بسيط، وفكرة صادقة، وشخص يؤمن بما يقدمه، وجمهور يجد نفسه فيما يشاهده.