اخبار

جمعية المساعي المشكورة نموذجا من محافظة المنوفية في عيدها القومي ‎

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
جمعية المساعي المشكورة نموذجا من محافظة المنوفية في عيدها القومي    ‎

تحتفل محافظة المنوفية هذه الأيام بعيدها القومي، هذا التاريخ اختير تخليداً لذكرى حادثة دنشواي التي وقعت في 13 يونيو 1906، وهي تُعد ملحمة وطنية جسدت شجاعة وبطولة أهالي القرية في التصدي للاحتلال الإنجليزي.

وللمنوفية وأهالي المنوفية ومواقف وأحداث كثيرة، نختار لحديثنا اليوم جمعية المساعي المشكورة، عملاً بهذه الآية الكريمة {وكان سعيكم مشكورا} ولدت جمعية المساعي المشكورة، التي تعتبر من أوائل الجمعيات الأهلية الناجحة في مصر، اتخذتها الأمم المتحدة ممثلة في منظمة اليونسكو، مثالا يُحْتَذَى به باعتبارها أنموذجا للجمعيات الأهلية الناجحة على مستوي العالم، حيث سبقت عصرها في العمل الأهلي، 134 عاما من العطاء، منذ تأسيسها عام 1892م وصفها أمير الشعراء بمنارة التنوير «المساعي المشكورة».. نداء للتكافل الاجتماعي، أطلقه حكماء وأثرياء المنوفية منذ 134 عاما، ولبى النداء وجهاء المنوفية من الأثرياء والمقتدرين.

مرت على مصر أيام عظام وأيام صعاب، كانت مصر في الأيام الصعاب تتزايد فيها الدعوة إلى التكافل والتعاون بين أبناء الوطن الواحد والبلد الواحد، مثلما هو الحال الآن، فمع تزايد الدعاوى الحاضرة للتعاون والتكافل الاجتماعي، يجب أن نَسْتَعِد ذكرى واحدة من أهم تجارب العمل الاجتماعي والتكافل بين أبناء البلد الواحد، والتي بدأت قبل 134 عاما كتجربة رائدة في عصرها، مشعل من مشاعل العلم أضاء شموعاً ساطعة في مجال العلم والتنوير بمديرية المنوفية، بدأت التجربة في العام 1892ميلاديا، قبل انتشار المدارس الحكومية في مصر.

اجتمع وجهاء وكبار ملاك الأراضي الزراعية بالمنوفية، من مراكز شبين الكوم وتلا والشهداء وقويسنا وغيرها، حيث أضَارَهُم المشقة التي يتكبدها طلاب العلم، والمسافة التي يقطعونها ليصلوا إلى مدرسة ابتدائية واحدة في عاصمة المنوفية “شبين الكوم”، فلم يكن بالمنوفية- كغيرها من المحافظات- حتى أواخر القرن التاسع عشر من مؤسسات تعليمية سوى الكتاتيب التي تُعْنَى بتحفيظ القرآن الكريم والتأهيل للالتحاق بالأزهر الشريف، وكانت المدرسة بشبين الكوم تبعد حوالي 40كم عن بعض القرى، مع قلة استيعابها لطلاب العلم، وعدم وجود وسائل للمواصلات، حيث كانت الركايب (الحمير وعربات الكارو) وسيلة النقل  المتاحة.

لذلك اتفق الوجهاء وكبار الملاك فيما بينهم على انشاء جمعية المساعي المشكورة، وكان في مقدمة هؤلاء المبادرين، محمود أبوحسين باشا، عضو مجلس شورى القوانين وأول رئيس للجمعية، الذي أوقف لها 20 فدانا من أملاكه. وعبدالعزيز باشا فهمي ابن كفر المصيلحة ووزير الحقانية (العدل) الأسبق، وواحد من أهم زعماء ثورة 1919م. ومحمد علوي بك الجزار، القطب الوفدى الشهير وعضو مجلس الشيوخ آنذاك. وعبد العزيز بك حبيب، الذي تبرع بأكبر وقف للجمعية وقتها وقدرة 30 فدانا. وحسنين بك عبد الغفار، عمدة تلا وعضو مجلس الشيوخ آنذاك، وغيرهم من أبناء المنوفية.

اجتمع رأي الجميع على إنشاء جمعية أهلية خيرية يكون أول أهدفها كفالة غير القادرين والإنفاق على تعليمهم، حملت الجمعية تلك الرسالة وهذه المسؤولية متفردة لسنوات طوال، فقد استمرت الجمعية تنشئ «مدرسة ابتدائية» في كل مركز من المراكز البالغ عددها 5 مراكز في ذاك الوقت، ليصبح نتاج المنوفية من التعليم يعادل نتاج خمسة من محافظات مصر، على أن تكون هذه المدارس روافد للمدرسة (الثانوية) التي تم إنشاؤها في شبين الكوم عام 1904 م.

وهي المدرسة الخامسة في عموم بلاد مصر ولا تزال قائمة حتى الوقت الحاضر. كما شيدت الجمعية في هذا التوقيت المبكر مدرسة ابتدائية للبنات، في شبين الكوم عام 1899 م. وكانت هذه المدرسة الثانية في عموم مصر بعد «المدرسة السنية»، التي شيدها الخديوي إسماعيل بالقاهرة.

كان هذا النهج وتلك الرسالة التي تبنتها الجمعية مخالفة لرؤية المستعمر الإنجليزي، فقد كان الإنجليز يريدون شعبا جاهلا وأجيالا غير متعلمة، يسهل السيطرة عليهم وقيادتهم، وهذا ما اعترض عليه أعيان ووجهاء المنوفية، وصارت المنوفية الأكثر عداء في نظر الاحتلال الإنجليزي، وكانت مذبحة دنشواي واحدة من مظاهر الانتقام.

وقد أقامت جمعية المساعي المشكورة احتفالاً عظيماً عند افتتاحها حضره عدد كبير من الوجهاء ورجال العلم منهم أمير الشعراء أحمد بك شوقي، الذي نظم عنها الأبيات التالية:
العلــــــــــــــــــــــــم والبر هذا مهرجـــــــــــــــــــانهما…….. في ظل دار تناغي النجــــــــــــــــــــــــــــــــم أركانا
فقم إلى منبر التـــــــــــــــــاريخ محتفـــــــــــلا.. ……فقد تضــــــــــــــــــوّع كالعودين ريحــــــــــــــــــانا
واجز الجزيل من المجهود تكرمة…….. واجز الجزيل من الموهوب شكرانا
في محفل نظمت دار الجـــــــــلال به…….. نظم الفرائـــــــــــــــــــــــــد أفرادا وأعيـــــــــــــــــانــا
لما تألف عقـــــــــــــــــــــدا قال قائلــــــــــــــــــــــه……….يصوغ للمحسنين الحمـــــــد تيجانـــــــــا

تخرج في مدارس جمعية المساعي المشكورة أعلام مصريون في مختلف المجالات، الأدبية والعلمية والسياسية، أبرزهم رئيسي الجمهورية السابقين حسني مبارك وعدلي منصور، والمشير محمد عبدالغنى الجمسي وزير الحربية الأسبق واحد قادة حرب أكتوبر العظام وعدد كبير من الوزراء والشخصيات العامة ورؤساء المحاكم ورؤساء الجامعات.
ولمكانة الجمعية وريادتها طوال التاريخ فقد تفردت بسجل حافل من الزوار، فحظت بزيارة الخديوي عباس حلمي الثاني عام 1898م، وزارها السلطان حسين كامل عام 1916م. كما حظت بزيارة الملك فؤاد الأول عام 1920م. وحضر الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، ابن مدرسة المساعي المشكورة الثانوية، الاحتفال بعيدها المئوي في 7 فبراير عام 1993م ثم زارها مرة أخرى عام 2005م.

استمرت الجمعية طوال سنوات عبر مدارسها في تعليم الطلاب وخدمة العلم، حتى قيام ثورة يوليو 1952م، حيث ألغت الثورة الأوقاف الأهلية وضمتها الى وزارة الأوقاف، ومن ضمنها الأراضي والممتلكات التي أوقفها أثرياء المنوفية لصالح الجمعية، وضمت مدارس المساعي المشكورة الى وزارة المعارف العمومية (وزارة التعليم) بدون مقابل، ولا تزال هذه المدارس تحمل اسم جمعية المساعي المشكورة حتى الآن.

لسنا فقط نكتب لنستعد ذكريات وطنية أو شخصية عزيزة علينا جميعًا، ولكننا نبحث عن معنى الوفاء للرواد والمؤسسين وحملة مشاعل التنوير، إن الغرس الطيب للمساعي المشكورة له فضل الريادة في تعميق الوعي الاجتماعي والوطني بدور العلم والتعليم في نهضة مصر..

تحية للرواد، وتحية لرموز الجيل الحاضر من أبناء المساعي المشكورة الذين يعملون على عودة الجمعية إلى ماضيها واستعادة دورها وريادتها.