كسرت الصين القواعد التقليدية للاقتصاد العالمي التي اعتادت فيها الدول النامية مراقبة مسار التقدم الصناعي كأسراب الطيور المهاجرة؛ إذ كانت الدول كلما ارتفعت لمستوى تطور أعلى تركت خلفها الصناعات الأبسط لتنتقل تلقائياً للدول الأقل نمواً، وبدلاً من التخلي عن القطاعات التقليدية مع صعودها التكنولوجي، اختارت بكين الاحتفاظ بها وإعادة ابتكارها لتنافس الجميع في آن واحد وفق تقرير إيكونوميست، الأحد 14 يونيو 2026.
وكانت حركة أسراب الإوز على شكل حرف V، التي وصفها الاقتصادي الياباني أكاماتسو كانامه لتطور صناعة النسيج، استعارة شهيرة لانتقال الصناعات كثيفة العمالة من اليابان إلى كوريا الجنوبية وتايوان مع ارتفاع الأجور، ورغم التوقعات بأن تؤدي الصين الدور نفسه، إلا أنها احتفظت بحصة استثنائية تاريخياً من الصناعات منخفضة القيمة وفق دراسة لجامعتي جونز هوبكنز وبيترسون للاقتصاد الدولي.


هيمنة شاملة على سلاسل الصادرات العالمية
وفي الوقت الذي تنافس فيه دول كألمانيا الصين بالصناعات عالية التقنية، تتساءل الدول النامية عن موعد انسحاب بكين من القطاعات البسيطة، وأظهرت دراسة لمعهد CF40 الصيني للأبحاث أن حصة الصين من الصادرات العالمية ارتفعت بين عامي 2010 و2024 بجميع الفئات الأربع: منخفضة، ومتوسطة، وعالية التقنية، إضافة للصناعات القائمة على الموارد الطبيعية.
وتتجاوز الهيمنة الصينية أرقام الصادرات المباشرة؛ إذ توفر البلاد نحو 64% من القيمة المضافة المضمنة في صادرات الملابس، والمنسوجات، والمنتجات الجلدية لـ 30 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل، لتتحول من مجرد مصدر للمنتجات النهائية إلى منتج للمكونات الأساسية ذات القيمة المضافة العالية التي تدخل بتصنيع السلع كثيفة العمالة في دول أخرى.


التنوع الديموغرافي والطبيعة غير المتجانسة للنمو
ويعود عدم اتباع الصين للمسار التقليدي لحجمها الهائل الذي وصفه الاقتصادي لانت بريتشيت بالزاحف المجنح العملاق، إلى جانب الطبيعة غير المتجانسة للتنمية الداخلية؛ إذ يتمتع سكان أغنى 4 مدن صينية (84 مليون نسمة) بنصيب فرد من الناتج المحلي يفوق اليابان، بينما تقترب أفقر 4 مقاطعات (140 مليون نسمة) من مستويات دخل فيتنام.
ويعادل حجم الاقتصاد الصيني وتنوعه عدة دول مجتمعة؛ فهو يضم داخل حدوده ما يوازي 70% من حجم اقتصاد اليابان، و6 أضعاف ماليزيا، و5 أضعاف المكسيك، و4 أضعاف تايلاند، ومرة ونصفاً من اقتصاد فيتنام، وبخلاف العمالة بهذه الدول، يتاح للعمال في الصين التنقل بحرية نسبية من المقاطعات الأقل دخلاً إلى المناطق الأكثر ازدهاراً لدعم الإنتاج.
التحديث التكنولوجي بديل الانسحاب الصناعي


ورغم أن مسار التطور يقتضي تراجع القدرة التنافسية للصناعات البسيطة بالمناطق الفقيرة مع انتقال العمالة، إلا أن التوجهات الحالية تعكس تبدلاً بالسياسة؛ حيث أكد الرئيس الصيني شي جين بنغ عام 2023 ضرورة تحديث الصناعات التقليدية وتطويرها، محذراً من التعامل معها كصناعات منخفضة المستوى ينبغي التخلي عنها.
ولتعويض ارتفاع تكاليف الأجور، اتجهت الصين بقوة نحو الأتمتة، والروبوتات، والتقنيات المتقدمة لإنتاج السلع التقليدية بوسائل أكثر كفاءة، لتثبت بكين عدم استعدادها لمغادرة أي موقع بالسرب سواء بالصناعات البسيطة أو المتقدمة، مفسحة المجال لعهد تشبه فيه الطائرات المسيّرة التي تحلق فوق النظريات الاقتصادية القديمة.