من يتابع نقاشات السوريين وخلافاتهم اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي، وحتى على بعض وسائل الإعلام، يلاحظ بسهولة كيف تعرضت المنظومة الأخلاقية للمجتمع لتصدعات عميقة. لقد صار واضحاً أن أكثر الخسائر فداحة التي تخلّفها الحروب هي التي لا يمكن قياسها بالأرقام أو رصدها في صور الدمار فقط.
لا يبدو أن علاج هذه التصدّعات قريبٌ وفي متناول اليد، من الواضح أنها قد ستستمر سنوات طويلة، ومن الواضح أيضاً أن المأساة لم تقتصر على الخسائر البشرية والمادية، بل أصابت بالصميم شبكة القيم التي كانت تنظم العلاقات بين الناس وتضبط خلافاتهم. ولكن لا بد أولاً من الاعتراف بأنه وخلال سنوات الحرب، وحين صار الموت خبراً متكرّراً، والعنف جزءاً من المشهد العام، حينذاك، يمكن القول إن حياتنا فقدت كثيراً من قدسيتها، ومع مرور الزمن، أصبحنا قساة جداً من دون أن ننتبه.
واليوم، يكفي التأمل في طبيعة النقاشات والخلافات بين السوريين لإدراك كيف أن القسوة باتت حاضرة بقوة في الخطاب العام، والتشهير الشخصي كيف صار وسيلة جديدة للقمع والإسكات، وفي أحيانٍ كثيرة لا يكتفي أحدهم برفض رأي مخالف، بل يسعى إلى تحطيم صاحبه معنوياً وتجريده من أي شرعية أخلاقية أو وطنية. هذه ليست مجرّد خلافات سياسية طبيعية، بل مؤشرات إلى خلل أعمق أصاب منظومة القيم الاجتماعية.
ما نشهده اليوم من خطاب تحريضي، وعنف لفظي متبادل، وحملات تشهير وتخوين، بل وأحياناً من لجوء سريع إلى التهديد أو ممارسة العنف المادي في الشوارع، ليس ظاهرة منفصلة عن السياق الذي عشناه خلال السنوات الماضية، سنوات الحرب تلك جعلت كثيرين منا أكثر قابلية لتبرير العنف وأقل قدرة على الاحتكام إلى الحوار والقانون والمؤسّسات. ولعل أخطر ما في هذه الأزمة أن كثيرين لم يعودوا يرونها أزمة أصلاً. فقد باتت بعض السلوكيات التي كانت تُعدّ شاذة أو مرفوضة في الماضي البعيد تُعامل اليوم بوصفها أموراً عادية أو مبرّرة. غير أن مسؤولية معالجة هذا الواقع لا تقع على المجتمع وحده. فالسلطة السياسية تتحمل جزءاً أساسياً من المسؤولية، لأن المشكلة ليست بسبب ما جرى في سنوات الحرب، بل أيضاً بسبب السياسات التي تُتبع في المرحلة الحالية. فسياسة الغلبة، ومنطق المنتصر أياً كان الطرف الذي يمارسه، لا ينتج استقراراً حقيقياً، بل يعيد إنتاج الانقسامات ويعمق مشاعر التهميش والإقصاء. وعندما يشعر جزء من المجتمع بأنه مهزوم أو مستبعد أو غير مسموع، فإن فرص بناء الثقة الوطنية تتراجع لمصلحة مزيد من الاحتقان.
معالجة الأزمة الأخلاقية التي خلفتها الحرب ليست مهمة أمنية أو قانونية فقط، بل هي عملية اجتماعية وثقافية وسياسية طويلة الأمد. والسلطة، إذا أرادت فعلاً المساهمة في هذا المسار، فيجب عليها التخلي عن منطق المنتصر والمهزوم، واستبداله بخطاب يعترف بالتعدّدية السياسية والاجتماعية ويقبل النقد والاختلاف، هذا يرسل إشارة مهمة إلى المجتمع بأن الخلاف لا يعني العداء. كذلك يجب عليها حماية حرية التعبير السلمي، فعندما يشعر الناس بأن لديهم مساحة للتعبير عن آرائهم واعتراضاتهم بشكل علني وقانوني، تتراجع الحاجة إلى التعبير الغاضب أو العنيف.
للأزمة الأخلاقية جانب مادي أيضاً. الفقر الشديد والبطالة والشعور بانسداد الأفق تدفع بعض الناس نحو مزيد من العدوانية والقسوة واليأس. لذلك ليس تحسين الظروف المعيشية مجرد قضية اقتصادية، بل هو أيضاً جزء من إعادة التوازن للمجتمع في مرحلة ما بعد الحرب.
السوريون القساة…