يبدو مصير إسرائيل هذه الأيام، أكثر من أي وقت مضى، وكأنه مرتبط بمصير رئيس حكومتها، بنيامين نتنياهو الذي يعرض ما جرى في الأعوام الأخيرة وكأنه أكبر إنجازات في تاريخ الدولة العبرية. وتظهر المفارقة في كلامه واضحة حين يصف إسرائيل في عهده بأنها “سبارطة سوبر” وادعائه بأنه منع في الحرب الجارية خطر الإبادة الجماعية لليهود. وفي نظر الكثيرين فإن نتنياهو بما فعله ويفعله، داخلياً وخارجياً لم يعرض على دولته سوى نظرية الحرب الدائمة والعمى السياسي التام الذي نقل أنصار بن غفير وسموتريتش من الهامش إلى مركز القرار. ولذلك ليس عبثاً ما تعانيه إسرائيل اليوم من عزلة دولية وخطر خسارة أهم حلفائها وفي مقدمتهم أميركا وربما يكون إعلان فشل الاتفاقيات الإبراهيمية أحد أقرب نتائج هذه العزلة.
وفي كل حال، يعرف القاصي والداني حالياً أن إيران لم تعد في نظر إسرائيل العدو الأكبر الوحيد الذي يتهددها وصارت توجه الأنظار نحو تركيا وباكستان، وترى أن التحالفات التي بدأت بالتبلور بمشاركة مصرية وسعودية لا تقل خطراً عن إيران. وتقرأ إسرائيل الاتفاق الإيراني الأميركي، حتى رغم استمرار الإيمان بأنه مؤقت وغير نهائي، على أنه تكريس لضمور وتراجع قوتها الإقليمية وخصوصاً في ما يمس أمنها المباشر في لبنان. والأدهى أنه إذا كان طوفان الأقصى أو 7 أكتوبر قد جاء في غفلة من وجهة نظرها فإن بانتظارها قريباً، وفق التوقعات، نظائر لـ7 أكتوبر من كل الحدود تقريباً. وهي اليوم تخشى الحدود مع مصر ومع الأردن رغم اتفاقيات السلام وتخشى الحدود مع لبنان وسوريا رغم كل ما تدعيه من قوة. ورغم أن جانباً من ادعاءات إسرائيل بالخطر من هذه الحدود مبالغ فيها وترمي إلى الاستعداد لسيناريوهات قصوى، فإن هذه الادعاءات تكسر منطقياً ما كانت تقوله على مدى السنين حول “قدرة الردع”.
وينتقد الإسرائيليون نتنياهو على وجه الخصوص لأنه هو من قاد إسرائيل أكثر من غيره طوال العقدين الفائتين. لذلك سخر الكثيرون منهم من تباهيه بأنه أنقذ إسرائيل من إبادة جماعية وأنه حولها إلى قوة عظمى “بعد الفشل الذريع الذي يتحمل مسئوليته ولا يعترف به”. كما لا يجد معظم الإسرائيليين ما يقولونه عندما يسمعون الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدعي بأنه لولا وجوده لما بقي نتنياهو ولما بقيت إسرائيل. ولذلك بات مطلب تشكيل لجنة تحقيق رسمية شائعاً ليس فقط في صفوف المعارضة وإنما كذلك في صفوف الائتلاف وداخل الليكود نفسه.
وطبعاً هذا يدل على الوضع الذي آلت إليه قيادة نتنياهو والائتلاف الحكومي الذي يرأسه. فداخل حزبه وقفت جماعات وازنة ضد رغبة نتنياهو في عدم إجراء انتخابات تمهيدية لاختيار مرشحي الليكود للكنيست. كما أن الأحزاب الحريدية رفضت مؤخراً دعوته لحضور اجتماع رؤساء الكتل الائتلافية. وتظهر استطلاعات الرأي ضعف فرص نتنياهو والليكود في الفوز بتشكيل الحكومة المقبلة وتعاظم فرص معارضيه خصوصاً الجنرال غادي آيزنكوت. وخلافاً لما كان يريده نتنياهو من إدامة الحرب إلى ما بعد الانتخابات القريبة للتركيز على نجاحات الجيش لإسرائيلي في تدمير الأعداء على كل الجبهات تتجه الأنظار في المعركة الانتخابية حاليا إلى متطلبات المستقبل القريب والبعيد.
ما كان لن يكون
يتفق كثير من المعلقين الإسرائيليين حول أن الولايات المتحدة تفضل اتفاقاً إشكالياً مع إيران على استمرار الصراع العسكري معها. وهذا ليس بالضبط ما تريده إسرائيل التي ترى في ذلك تحدياً سياسياً وأمنياً كبيراً وجديداً على إسرائيل يخلق واقعاً بالغ التعقيد. وبلغ الأمر بقادة إسرائيليين حد اتهام ترامب وإدارته بإنقاذ إيران من الهزيمة والانقلاب على إسرائيل ومصالحها وخصوصاً في لبنان بعد تقييد حركة جيشها هناك. ومع ذلك هناك أقلية ترى في السلوك الأميركي عقلانية تصطدم بمساعي اليمين وتشكل هزيمة له لكن بما يخدم إسرائيل وينقذها في نهاية المطاف من شر هذا اليمين ونظريته حول الحرب الدائمة.
ورغم ذلك يتوقع خبراء بينهم رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق، الجنرال عوزي ديان أن يكون صيف المنطقة حاراً ومتوتراً بسبب الخلاف مع أميركا وضمور قدرة الردع الإسرائيلية. وحسب رأي ديان فإن الصيف سيلتهب على أكثر من حدود وفي المناطق التي تحتلها إسرائيل في ظل برودة العلاقات مع واشنطن. ويحذر من استمرار تراجع علاقة إسرائيل مع اليهود والشباب والانجيليين في أميركا ويطالب بإعادة بناء القوة الإسرائيلية وتحديد ما تريد الاحتفاظ به للأبد وما يمكن أن تساوم عليه.
ولكن في ظل حكومة تؤمن علناً بإسرائيل الكبرى ورئيس حكومة ناقض نظرية “تحالف الأطراف” التي وضعها ديفيد بن غوريون في مطلع الخمسينات بوضع نظرية “التحالف السداسي” يبدو الوضع مشكوكاً فيه. فتحالف الأطراف كانت في صلبه تركيا وإيران فضلاً عن أثيوبيا وبالاعتماد على كبرى الدول الغربية. ولكن “التحالف السداسي” يستند إلى العلاقة مع الهند كقوة عظمى وإلى اليونان ودولة الإمارات فضلاً عن قبرص وربما “أرض الصومال” في مواجهة إيران وتركيا وربما “الناتو الإسلامي” أيضاً ما يجعل منه مقامرة جيواستراتيجية كبيرة. ويستند التحالف السداسي أساساً إلى العلاقات الأمنية والتكنولوجية العميقة بين أطرافه الكبرى ضد ما يعتبرونه “محور التطرف”.
وعود وواقع
نتنياهو واليمين المتطرف الذي يحكم إسرائيل حالياً يتفاخر بقدرات الدولة الاقتصادية والنجاح في استيعاب نتائج الحرب. ولكن هذا التفاخر بدأ في الظهور كبالون منفوخ خصوصاً بعد الاتفاق الإيراني الأميركي حيث استمر مسلسل التراجع في البورصة الإسرائيلية. كما أن تعهد نتنياهو بضخ 350 مليار شيكل ( الدولار أقل من 3 شيكل) في الصناعات الحربية اصطدم بواقع ارتفاع تكلفة الحرب، وفق آخر التقديرات، إلى أكثر من نصف ترليون شيكل. وطبيعي أن هذه التكاليف تأتي على حساب التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والتطوير.
وبحسب تقديرات بنك إسرائيل فإن الحرب المستمرة بعد 7 أكتوبر ليست أطول حرب بل هي الأكثر تكلفة وإرهاقاً والأشد أثراً على الاقتصاد الإسرائيلي لعقود، إضافةً إلى الخسائر البشرية والمعاناة الإنسانية. ووفقاً لحسابات بنك إسرائيل، كلّفت الحرب الحكومة الإسرائيلية أكثر من 400 مليار شيكل عدا المساعدات الأميركية التي بلغت حوالي 26 مليار دولار. هذا دون حساب خسارة تتجاوز 200 مليار شيكل، ونفقات خاصة ضخمة أخرى تكبّدها المدنيون المتضررون ولم تُغطّها الدولة. ووفق هذه الحسابات فإن التكلفة باهظة جداً على كل إسرائيلي وبينهم فلسطينيو العام 1948. ويبلغ عدد سكان إسرائيل حوالي 10.2 مليون نسمة، ما يعني أن كل إسرائيلي (بمن فيهم الرضع وكبار السن) تحمل حوالي 40 ألف شيكل. أما على مستوى الأسر، فقد بلغت تكلفة الحرب حوالي 150 ألف شيكل للأسرة المتوسطة.
وانعكست هذه التكلفة، كما هو واضح، على جيوب الإسرائيليين عموماً من خلال زيادة الضرائب – لتمويل الزيادة الهائلة في الإنفاق الحكومي – فضلاً عن تآكل الأجور وانخفاض الدخل الحقيقي وارتفاع تكلفة المعيشة. وقاد ذلك إلى إغلاق الكثير من الشركات الانتاجية والسياحية وإلغاء عقود الكثير من الأجراء بسبب خدمتهم العسكرية الطويلة. وقدر بنك إسرائيل في تقريره السنوي لعام 2025 الخسائر التراكمية في الناتج الاقتصادي من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى نهاية 2025 بحوالي 8.6% من الناتج السنوي، أي ما يقارب 177 مليار شيكل.
فالانطباع السائد في إسرائيل هو أن الحرب مع إيران انتهت عند هذه النقطة “بخسارة استراتيجية فادحة لإسرائيل”. وعندما انقشع غبار الحرب، اكتشف المستثمرون أن “إيران التي رُدعت لأجيال” استُبدلت بإيران التي تُبرم اتفاقيات إشكالية مع الولايات المتحدة على مرأى ومسمع من حكومة تل أبيب. وبات واضحاً للجميع أن رؤية بنيامين نتنياهو بتحويل إسرائيل إلى إسبرطة تتحقق. وهذا ما فسره المستثمرون على أنه زعزعة للاستقرار، وتقليص لحرية المناورة الإسرائيلية، وضعف في الحسم، وتقوية لأعدائها المحيطين بها، وزيادة في المخاطر الجيوسياسية. كل هذا يُحتّم، بلا شك، الاستعداد لتضخم ميزانيات الدفاع، وعجز كبير في الميزانية، واستمرار خدمة الاحتياط كجزء لا يتجزأ من جدول أعمال الاقتصاد.
وبحسب كثير من الخبراء فإن نتنياهو الذي غالباً ما يعرض نفسه كـ”السيد أمن” ينهار تحت واقع شديد التعقيد لا يقبل تحقيق استراتيجيات كبرى بقدرات محدودة. فتحالفات إسرائيل تتراجع عالميا وقدرات إسرائيل الاقتصادية لا تلبي متطلبات الحرب الدائمة كما أن جيشها، وفق الجنرال اسحق بريك، أصغر من أن يقدر على الاحتفاظ بأراض جديدة يحتلها. ولإظهار المفارقة بأوضح شكل كتب بن كسبيت في “معاريف” أن نتنياهو وتحت شعار محاربة النووي الإيراني طوال عقدين صار “أب القنبلة النووية الإيرانية” في مستقبل غير بعيد.