أظهرت أحدث البيانات الإحصائية الصادرة عن وزارة الخزانة الأميركية تحولاً بارزاً في حركة الاستثمارات الخليجية الموجهة للسندات الأميركية خلال شهر إبريل الماضي؛ إذ شهدت حيازة السعودية تراجعاً لافتاً بنحو 9.5 مليارات دولار لتستقر عند 140.1 مليار دولار، وهو ما يمثل انخفاضاً شهرياً بقرابة 6%.
وتزامن هذا الهبوط مع تقليص الإمارات استثماراتها في السندات ذاتها بقيمة 1.6 مليار دولار، ما سلط الضوء على رغبة متزايدة لدى المصارف المركزية الخليجية في إعادة هيكلة استراتيجيات إدارة السيولة الفورية والاحتياطيات الوقائية وتكييفها مع بيئة الفائدة المرتفعة محلياً وعالمياً، بدلاً من كونه تراجعاً بنيوياً عن الأصول المقومة بالدولار التي لا تزال تهيمن على محافظ المنطقة السيادية، حسبما أورد تقرير نشرته وكالة فيتش للتصنيف الائتماني.
ويعزو محللون هذا التراجع المتزامن بالدرجة الأولى إلى الضغوط التشغيلية والمالية الناتجة عن التوترات الجيوسياسية الحادة التي شهدتها المنطقة خلال الحرب التي أدت لتعطيل صادرات الطاقة عبر مضيق هرمز، حيث أجبرت الظروف الاستثنائية كبار منتجي النفط في الخليج على إجراء خفض قسري في مستويات الإنتاج اليومي، ما أدى إلى انكماش مؤقت للتدفقات الدولارية الفائضة، ودفع السلطات النقدية الخليجية إلى سحب جزء من استثماراتها السائلة في السندات الأميركية، لا سيما قصيرة الأجل منها، لتعويض نقص الإيرادات وضخ السيولة اللازمة في الأسواق المحلية.
وبالتوازي مع ضغوط أسواق الطاقة، تبرز حاجة الدول الخليجية المتزايدة لتمويل برامج التحول الاقتصادي الطموحة والمشاريع القومية الكبرى كدافع رئيسي لإعادة توجيه رؤوس الأموال، وتعزز هذه المتطلبات التمويلية الضخمة استراتيجية استخدام حيازة السندات الأميركية كخزانات سيولة ديناميكية، يمكن تسييلها وتوجيهها لدعم الخطط الصناعية والاستثمارية المحلية، وعقد الشراكات الإقليمية والدولية، حسبما أورد تقرير نشرته منصة “سيمافور”.
وفي هذا الإطار، يقول الخبير الاقتصادي، حسام عايش، لـ”العربي الجديد”، إن الانخفاض في حيازة السندات الأميركية لا يعكس تحولاً جذرياً في الاستراتيجية الخليجية أو فقداناً للثقة بالاقتصاد الأميركي، بل يحمل في طياته شكلاً من أشكال إعادة توزيع المحافظ الاستثمارية وجني الأرباح، بعد ارتفاع قيمة هذه السندات، نتيجة زيادة أسعار الفائدة، أو قد يكون توجيهاً لجزء من هذه الأصول نحو استثمارات أخرى ذات عوائد أعلى مثل الأسهم، وقطاعات الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، بالإضافة إلى الاستثمارات المحلية والإقليمية.
وإزاء ذلك، فإن التفسير الاقتصادي الأقرب لهذا التحرك، بحسب عايش، هو إعادة موازنة المحافظ الاستثمارية، وتوفير سيولة للاستثمارات الاستراتيجية بدلاً من الاحتفاظ بأصول منخفضة المخاطر والعائد، حيث تسعى الدول الخليجية لتوظيف أموالها في مشاريع تحقق عوائد اقتصادية وتنموية مباشرة داخل المنطقة، وهو ما يتوافق مع التقلبات التاريخية في حيازة السندات الأميركية التي ترتفع وتنخفض حسب القرارات الاستراتيجية واحتياجات السيولة الاحترازية أثناء الأزمات.
كما يرتبط جزء من هذا التخفيض، وفق تحليل عايش، بالتحوط من تقلبات الأسواق الناتجة عن التصريحات المتباينة والمتناقضة التي تحمل تهديدات بفرض رسوم جمركية إضافية على العديد من الدول بما فيها الخليجية، إضافة إلى الاستجابة لتوقعات بارتفاع أسعار الفائدة الأميركية مجدداً، ما يدفع المستثمرين لبيع السندات الحالية، وشراء إصدارات جديدة بعوائد أعلى لاحقاً.
وفي السياق، يشير الخبير الاقتصادي والمستشار المالي، علي أحمد درويش، لـ”العربي الجديد”، إلى أن تراجع استثمارات دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات، في السندات الأميركية خلال الربع الثاني من العام الحالي يعود إلى عدة عوامل أبرزها الواقع الجيو-استراتيجي الذي تعيشه المنطقة في ظل حرب مستمرة منذ بداية العام، ما استدعى إعادة هيكلة لعملية الاستثمار بما يتناسب مع متطلبات الإنفاق المحلي، وتخفيف حدة الأزمة الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز، وانقطاع شرايين الاقتصاد، وتراجع عوائد النفط.
ولا يمكن تفسير هذا التراجع، بحسب درويش، على أنه تحول استراتيجي في العلاقة مع الولايات المتحدة أو انسحاب من الشراكة القائمة، بل هو إعادة تموضع فرضتها ظروف الحرب الراهنة، سواء للحفاظ على مستويات سيولة مرتفعة أو لمواجهة التداعيات الاقتصادية للأزمة على عدة مستويات، ما يعني أن القرارات الحالية ترتبط بإدارة المخاطر الآنية أكثر منها بتغيير طويل الأمد في توجهات الاستثمار السيادي.
وإزاء ذلك، يخلص درويش إلى أن الوضع الحالي يتطلب التريث ومراقبة ما ستؤول إليه الأمور عندما تضع الحرب أوزارها بشكل كامل وواضح، وعندها ستجري إعادة رسم خريطة جديدة لحجم الاستثمارات وتوزيعها، سواء في المحافظ المالية أو الصناديق السيادية أو غيرها.