أظهر بيان الوضع المالي نصف الشهري الذي ينشره مصرف لبنان تسارعًا في وتير التعافي النقدي، على مستوى احتياطات العملات الأجنبيّة، خلال النصف الأوّل من شهر حزيران. وبهذا الشكل، استكملت مؤشّرات المصرف مسار التعافي الخجول والتدريجي، الذي بدأ خلال شهر أيّار الماضي.
أمّا احتياطات الذهب، فواظبت -خلال الفترة نفسها- على تسجيل انخفاضات معتبرة، على وقع استمرار التراجع في الأسعار العالميّة. كما استمرّت حسابات القطاع العام لدى المصرف المركزي بتسجيل زياداتها المتدرّجة، التي تعكس آثار السياسة التقشّفية المتبعة على مستوى وزارة الماليّة. وفي المقابل، لم يفقد مصرف لبنان حتّى اللحظة سيطرته على الكتلة النقديّة المتداولة بالليرة، التي حافظت على مسارها الانكماشي.
احتياطات العملات الأجنبيّة
وفقاً لأرقام مصرف لبنان، شهدت احتياطات العملات الأجنبيّة ارتفاعًا ملحوظًا خلال النصف الأوّل من شهر حزيران. إذ قفز حجمها الإجمالي من حدود 11.44 مليار دولار أميركي في أواخر شهر أيّار الماضي، إلى قرابة 11.63 مليار دولار أميركي في منتصف شهر حزيران، ما عكس زيادة قدرها 184.71 مليون دولار أميركي. وبهذا الشكل، انتقلت هذه الاحتياطات من تسجيل تعافٍ خجول خلال شهر أيّار الماضي، إلى تسجيل زيادات وازنة خلال شهر حزيران الحالي.
ومن المعلوم أنّ هذه الاحتياطات كانت ارتفعت خلال شهر أيّار الماضي من 11.43 مليار دولار أميركي في بداية الشهر، إلى 11.45 مليار دولار أميركي آخره، بزيادة ضئيلة قيمتها 15.37 مليون دولار أميركي خلال تلك الفترة. ورغم ضآلة هذه الزيادة في تلك الفترة، إلا أنّها أشرّت إلى انتهاء مرحلة استنزاف وانخفاض الاحتياطات، التي شهدها لبنان منذ بداية الحرب في مطلع شهر آذار الماضي.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الاحتياطات، وقبل أن تبدأ بالتعافي خلال الشهر الماضي، كانت قد انخفضت من 12.07 مليار دولار أميركي في منتصف شهر شباط الماضي، إلى نحو 11.43 مليار دولار أميركي في نهاية نيسان، ما عكس تراجعًا كبيرًا بقيمة 642 مليار دولار أميركي خلال فترة شهرين ونصف الشهر. وجاءت هذه التراجعات بفعل الضغوط النقديّة التي أحدثتها الحرب، بما فيها اشتداد الطلب على الدولار في السوق الموازية، وارتفاع كلفة الاستيراد في أعقاب القفزات في أسعار النفط العالميّة.
احتياطات الذهب
في المقابل، لم تشهد احتياطات الذهب الانتعاشة نفسها. بل وعلى العكس تمامًا، سجّلت قيمة هذه الاحتياطات تراجعًا كبيرًا من 41.72 مليار دولار أميركي في أواخر شهر أيّار الماضي، إلى 39.99 مليار دولار أميركي في منتصف شهر حزيران الحالي، أي بانخفاض ضخم قدره 1.72 مليار دولار أميركي. ومن المهم التنويه إلى أنّ التغيّرات في قيمة هذه الاحتياطات ترتبط بالتحوّلات في أسعار الذهب العالميّة، حيث يقوم مصرف لبنان بتعديل قيمة هذه الاحتياطات في ميزانيّته في ضوء ارتفاع أو انخفاض الأسعار.
وكانت أسعار الذهب العالميّة قد شهدت تراجعات كبيرة منذ بدء الحرب في الخليج، بفعل مجموعة من العوامل، ومنها ترقّب المستثمرين لارتفاع في معدّلات التضخّم، ما سيفرض سياسات نقديّة أكثر تشدّدًا وفوائد أعلى في الولايات المتحدة الأميركية، وهذا ما يزيد بدوره جاذبيّة أسواق السندات على حساب الذهب. وفي الوقت نفسه، شهدت محافظ الذهب الاستثماريّة خروجًا كبيرًا للسيولة، بفعل حاجة الشركات للأموال اللازمة للتعامل مع الضغوط الماليّة المستجدة.
وفي جميع الحالات، كانت النتيجة تراجع قيمة احتياطات الذهب في مصرف لبنان من 45.81 مليار دولار أميركي في منتصف شهر شباط، إلى 39.99 مليار دولار أميركي اليوم، أي بانخفاض إجمالي -خلال فترة الحرب- قيمته 5.82 مليار دولار خلال فترة أربعة أشهر.
بنود المطلوبات
في المقابل، لم تشهد بنود المطلوبات الكثير من المفاجآت. فبند السيولة المتداولة بالعملة المحليّة، سجّل تراجعه المعهود، من 664 مليون دولار أميركي في أواخر شهر أيّار، إلى نحو 637 مليون دولار أميركي في منتصف شهر حزيران الحالي، أي بانخفاض قيمته 26.77 مليون دولار أميركي.
وهذا ما يؤشّر إلى استمرار السياسة النقديّة الانكماشيّة التي يعتمدها المصرف المركزي، والقائمة على الضبط الشديد للسيولة المتداولة بالليرة، بهدف السيطرة على سعر الصرف الثابت. ومن الواضح أنّ مراكمة الإيرادات الضريبيّة والرسوم، في حساب ودائع القطاع العام لدى المصرف المركزي، ظلّت تسمح بتطبيق هذه السياسة النقديّة بالتحديد.
ولهذا السبب، سجّل حساب ودائع القطاع العام لدى مصرف لبنان ارتفاعًا ملحوظًا، من 9.61 مليار دولار أميركي في أواخر شهر أيّار الماضي، إلى 9.96 مليار دولار أميركي في منتصف الشهر الحالي، أي بزيادة قدرها 349 مليون دولار أميركي. مع العلم أن حساب ودائع القطاع المالي سجّل، في المقابل، تراجعًا موازيًا، وبقيمة 226.98 مليون دولار أميركي، فيما يشمل هذا الحساب بشكلٍ رئيسي توظيفات المصارف التجاريّة لدى مصرف لبنان، والتي تشكّل أكبر التزام على المصرف المركزي.