نواكشوط – «القدس العربي»: صادقت الحكومة الموريتانية على ثلاثة مراسيم تنظيمية جديدة تستهدف تعزيز المنظومة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح، وذلك في سياق مسار متواصل لتحديث الإطار القانوني والمؤسساتي الذي تبنته البلاد خلال السنوات الأخيرة.
وشملت النصوص المصادق عليها تعديل واستكمال بعض ترتيبات المرسوم رقم 2019/197 المتعلق بتطبيق قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتعديل المرسوم رقم 2019/198 الخاص بتشكيلة وتنظيم اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ووحدة التحريات المالية، إضافة إلى تعديل المرسوم رقم 2019/199 المتعلق باللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب.
وأوضحت الحكومة أن هذه التعديلات ترمي إلى «تعزيز النظام الوطني لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح بمزيد من الشفافية والكفاءة»، كما تستهدف معالجة الثغرات القانونية التي تم رصدها خلال عمليات التقييم والمتابعة، بما يرفع مستوى الالتزام الفني لموريتانيا بالمعايير الدولية المعتمدة في هذا المجال.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه منطقة الساحل تصاعداً غير مسبوق للتهديدات الأمنية والمالية المرتبطة بالجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظّمة العابرة للحدود، ما جعل قضايا تمويل الإرهاب وغسل الأموال تحتل موقعاً مركزياً في أجندة الحكومات والشركاء الدوليين.
ولا تمثل المراسيم الجديدة تشريعاً معزولاً، بل تندرج ضمن مسار إصلاحي بدأته موريتانيا منذ سنوات بهدف مواءمة منظومتها القانونية مع توصيات مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) والهيئات الإقليمية المختصة.
وقد أظهرت تقارير المتابعة الدولية تحسناً تدريجياً في مستوى امتثال موريتانيا للمعايير المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بعد سلسلة من الإصلاحات القانونية والمؤسساتية التي نفذتها البلاد منذ عام 2018.
وتقوم منظومة التقييم الدولية في هذا المجال على معيارين أساسيين: الامتثال الفني للتشريعات والإجراءات المطلوبة، وفعالية تطبيقها على أرض الواقع، وهو ما يدفع الدول إلى تحديث قوانينها بصورة مستمرة لسد الثغرات ومواكبة المعايير المتغيرة. ويرى مراقبون أن تعزيز التشريعات المالية والأمنية يمثل أحد الأوجه الأقل ظهوراً في المقاربة الموريتانية لمكافحة الإرهاب، والتي غالباً ما تُقدَّم كنموذج مختلف داخل فضاء الساحل المضطرب.
ففي الوقت الذي شهدت فيه دول مجاورة موجات متتالية من الهجمات المسلحة والانقلابات العسكرية، نجحت موريتانيا في تجنيب أراضيها هجمات إرهابية كبرى منذ عام 2011، مستندة إلى مزيج من الإجراءات الأمنية الصارمة، ومراقبة الحدود، والحوار الفكري مع السجناء المتطرفين، وتعزيز حضور الدولة في المناطق النائية، إضافة إلى إشراك المجتمعات المحلية في الجهد الأمني. وقد حظيت هذه المقاربة بإشادة عدد من الخبراء والدوائر الدولية المعنية بمتابعة أوضاع الساحل.
وتندرج المراجعات الجديدة للمنظومة القانونية الخاصة بمكافحة الإرهاب وتمويله ضمن مقاربة موريتانية أوسع لا تقتصر على الأدوات الأمنية والقضائية، بل تشمل أيضاً المعالجة الفكرية لظاهرة التطرف. ففي تطور لافت أعلنت السلطات الموريتانية قبل أيام نجاح جولة جديدة من الحوار مع سجناء الغلو والتشدد، أسفرت عن إعلان 14 سجيناً من المحسوبين على التيار السلفي الجهادي مراجعات فكرية وتخليهم عن الأفكار المتطرفة، وهو ما مهد للإفراج عن عدد منهم بموجب عفو رئاسي. ويعد برنامج الحوار مع السجناء المتطرفين، الذي تشرف عليه لجنة متخصصة من العلماء والخبراء، أحد أبرز مكونات النموذج الموريتاني في مكافحة الإرهاب، حيث يقوم على تفكيك الأسس الفكرية التي تستند إليها التنظيمات المتشددة، بالتوازي مع تعزيز الترسانة القانونية والرقابية لمواجهة شبكات التمويل والدعم اللوجستي المرتبطة بها.
وتتجاوز أهمية هذه التعديلات الجانب الأمني البحت، إذ ترتبط أيضاً بجهود موريتانيا لتعزيز جاذبيتها الاستثمارية في ظل المشاريع الكبرى التي تشهدها البلاد في مجالات التعدين والطاقة والغاز والهيدروجين الأخضر.
فالمؤسسات المالية الدولية والمستثمرون الأجانب يولون أهمية متزايدة لمؤشرات الشفافية المالية وقدرة الدول على مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، باعتبارها جزءاً من معايير الحوكمة وإدارة المخاطر.
ومن هذا المنطلق، ينظر إلى المراسيم الجديدة باعتبارها رسالة مزدوجة: الأولى إلى الشركاء الدوليين بأن موريتانيا ماضية في رفع مستوى امتثالها للمعايير العالمية، والثانية إلى الفاعلين الاقتصاديين بأن الدولة تسعى إلى توفير بيئة مالية أكثر صلابة وشفافية وقدرة على مواجهة المخاطر العابرة للحدود.
موريتانيا ك تعزيز التعاون الدول وتشديد قوانين مكافحة الإرهاب وغسل الأموال