اخبار

الثورة والمسألة الطائفية في سورية

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
الثورة والمسألة الطائفية في سورية

تُشكّل الثورة السورية في 2011 نهاية مرحلة تاريخية. كانت قواها، وتنسيقيّاتها الأولى، واعية لكثير من سيرورتها ووقائعها ولا سيما الطائفية. أعلنت وبوضوحٍ دقيقٍ أنّها لكلّ السوريين وليست للإخوان المسلمين أو السلفية. المقصد هنا أنّ المسألة الطائفية يتحمّلها الإخوان المسلمون بوصفهم تنظيماً طائفيّاً والسلفيون، وقد تلاعب بها نظام الأسدين بوصفها استثماراً سياسيّاً وللتأبيد.

كانت قوى الثورة الأصلية، وغير كتلة الشباب الأوسع، قوى وطنية، ديمقراطية، ليبرالية، ماركسية، ديمقراطية، إسلامية ليبرالية، وهكذا، وهناك قوى سلفية محلية محدودة، وهناك فئاتٌ شعبيةٌ بوعيٍ دينيٍّ عام. في لحظة الثورة، كان الإخوان المسلمون مُتصالحين مع النظام وأوقفوا معارضته منذ 2008، وقد التقيا حينها دعماً لحركة حماس والمقاومة الفلسطينية في غزّة، وكانوا، مع بداية الثورة، ينسّقون مع الأتراك، وذلك لمصادرة الثورة وقطفها، وإجراء صفقة سياسية مع الأسد، رفضها الأخير، وبسبب ذلك، دخلوا الثورة من أوسع أبواب الدعم الخارجي.

مع دخولهم إياها، بدأت المشكلات الحقيقية أمام الثورة، دخلوها، برؤيتهم الطائفية للمجتمع السوري، فصيّروا الثورة سنية والمعارضة تمثيلات طائفية وقومية والنظام علوياً، ويجب إسقاطه والوصول إلى “سلطة طائفية سنية”. النظام الذي خشي الثورة الشعبية لعب ورقة الطائفية أيضاً، ورغم رفض تنسيقيات الثورة للطائفية، كانت تهمة تشكيل إمارات إسلامية إحدى أبرز التُّهم للمعتقلين، وتشدّدت الأجهزة الأمنية ضدّ العلويين والدروز والمسيحيين، وأفاد ضبّاط التحقيق فيها بأنّ هذه الثورة ضدّهم، وبقصد حشد الأقليات، إضافة إلى الكتلة الوازنة من السنة، وعلى اختلاف أعمالها وهي موجودة في الجيش وحتى الأجهزة الأمنية. هنا بدأ التعقيد أمام الثورة، فالإخوان مع حلفائهم في المجلس الوطني أرادوا أسلمتها وكذلك النظام؛ لعب الاثنان بالورقة الطائفية، واستثمر كلاهما في مأساة الثمانينيات للتحشيد الطائفي، وللإجهاز على الثورة، والاثنان لم يفتحا تفاصيل تلك المأساة ودورهما فيها، لا الإخوان ولا النظام.

جاء علي العبد الله في مقالته في العربي الجديد “في جذر الطائفية” (27/5/2026) إلى شيطنة مذاهب السنة الأقليات الإسلامية من غير السنة، وأنّ هناك ضرورة لإصدار فتوى ورؤية واضحة تعلن انتماء هذه الأقليات إلى الإسلام، وهذا في رأيه الجذر للقضاء على الطائفية، وأنّ كلّ طائفية راهنة جذرها في انقسامات الماضي، وادّعى أنّه بذلك يتناول الجوهر بعكس الأطروحات التي تُعيد الطائفية إلى سلطة الأسديْن، أو الأحزاب الطائفية كالإخوان المسلمين. لا يرى كاتب هذا النص تناقضاً في الرؤيتين، وإن كانت كلّ عودة إلى الطائفية وتطييف الطوائف تنطلق من حاجات الحاضر، أي إن الاستعادة تتعلّق برؤى طائفية أو بمشكلات مرتبطة بأزمات السلطة، أو بالقوى الطائفية، أو بتدخّلات الخارج. وهناك قراءات للطائفية بوصفها مسألة تأخّر تاريخي، وقضية مجتمعية وثقافية، وجزءاً من بنية الوعي القديم، المتوارث. الرؤية الإخوانية للمجتمع طائفية تستند إلى أنّ المجتمع طوائف متعدّدة، وأن مشكلة سورية في وصول الطائفة العلوية إلى السلطة. ليس “الإخوان” فقط، بل مختلف القوى الإسلامية السياسية، وفي رأيهم، وبعد مأساة الثمانينيات، وما حصل منذ 2011، أنّ كلّ الطائفة العلوية مُدانة، وأنّ القضية ليست مع “الطائفة الأسدية” على ما راج في أوساطٍ واسعةٍ من الحداثيين السوريين، وهو خطاب الثورة أعلاه.

الرؤية الإخوانية للمجتمع طائفية تستند إلى أنّه طوائف متعدّدة، وأن مشكلة سورية هي في وصول الطائفة العلوية إلى السلطة

لم يكن نظام حافظ الأسد مُمثلاً للطائفة العلوية، بل أشدّ خصومه كانوا علويين، محمد عمران وصلاح جديد، وأبرز حلفائه الأقوياء لحظة انقلابه، هم مصطفى طلاس وعبد الحليم خدّام. كانت فترة الستينيات انتقالية، نحو صيغة من “الاشتراكية” العسكرية، كحال دول كثيرة من العالم الثالث، وشهدت تصفيات واسعة، وطاولت القياديين أعلاه، ولأنّ الأمر كان قضية الاستيلاء على السلطة، ولم تكن كفة الأسد راجحة، استعان وغيّر حلفاءه، بأخيه وبضباط في الجيش والأمن من بيئته الاجتماعية، باعتبارهم مركز ثقة، ودعم مطلق للانتصار على الفريق المُضاد “الاشتراكي”، وكان بقيادة جديد! أي لم تكن المسألة طائفية؛ كانت صراعاً بين ضباط عسكريين للسيطرة على الدولة. من الجدير ذكره أنّ طبقة تجار المدن، وتحديداً السُّنة، قالوا “طلبنا من الله المدد فأرسل لنا حافظ الأسد”، وأيضاً كتلة وازنة من المشيخة السنية الدمشقية، ونالت جزاءاتٍ كثيرة، وهناك واقعة معلومة جيداً، ويتجاهلها التفكير الطائفي، أنّه في عهد حافظ الأسد، كان هناك ما يشبه الصفقة، الاقتصاد ومؤسّسات الدولة وحتى حزب البعث للسنة، بينما قيادات الأفرع الأمنية بالتحديد بيد العلويين. أمّا الجيش فكانت قياداته، وحتى الأجهزة الأمنية، من كلّ الطوائف، وإنْ كانت الكتلة الأكثر نفوذاً من العلويين، وليس بقصد علونة السلطة، أو الجيش أو الأمن، بل بقصد حماية سلطة حافظ الأسد وتأبيدها وتوريث الحكم لعائلته؛ كان حكماً فردياً، وحاول أن يكون عائلياً كذلك، وضمن هذا استفاد من الورقة الطائفية، “ووزّع” الدولة على الطوائف. بدقة حاول إقامة توازن طوائفي، لا طائفي في مختلف إدارات الدولة وقياداتها، إضافة إلى ما ذكرنا أعلاه.

كانت مرحلة بشار، قبل الثورة، مرحلة إشراكٍ أوسع “للطائفة السنية” في عالم الأعمال، إضافة إلى تصدّر رامي مخلوف، وآخرين من عائلات السلطة (العلويين) الاقتصاد. وفي أثناء الثورة، شهدنا اعتماده الكبير، ولا سيما في الاقتصاد، على شخصيات من هذه الطائفة. مشكلة بشّار، بل الإخوان وكلّ القوى السلفية، كانت مع الثورة الشعبية وأهدافها في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة والمواطنة، فلا هو بقادر على مواجهتها، ولا الإخوان المسلمين واثقون بها وقادرون على السيطرة عليها، وبالتالي، التقت مصالح الطرفين في التطييف و”تصفية الثورة” وتعطيل الحاضر واستعادة الذاكرة بشكلٍ انتقائي، وكلٌّ لاعتبارات مختلفة؛ والأمر نفسه يخصّ الفصائل السلفية لاحقاً.

التفكير الطائفي، وأيّاً كان نوعه، لن يرى نظام حافظ الأسد أو بشار وحتى أحمد الشرع، أنظمة مستبدّة أولاً. لهذا، وإذا وضعنا جانباً نظام الشرع، وذلك لأن الطائفية فيه عميقة وواضحة، فإنّ وجود كتلة من الضباط العلويين في الجيش والأمن وفي القيادة منهما، ولا تتوافق مع عدد الطائفة العلوية، سيَظهر وكأن النظام كان طائفياً، بينما هو مستبدٌّ وفردي، ويستخدم الطائفية وسواها. لم يُعرِّف حافظ الأسد نفسه، أو حتى بشار، بأنّ أنظمتهما علوية أو طائفية، وليس صحيحاً من يقول إن هناك باطناً علوياً وظاهراً “وطنيّاً”؛ هذا تفكير طائفي بالعمق. لا علاقة لنظامي الأسدين بتمثيل الطائفة العلوية، بل وظفا فئاتٍ منها، كما من غيرها في تأبيد سلطتيهما، وكان حلف الأقليات أكذوبة كبرى، لتعمية أعين الأقليات واحتجازها وإرعابها من الثورة، وهو ما تحقّق، ولدفع الأخيرة نحو الأسلمة والعسكرية وتصفيتها، وهو ما جرى.

يحصل الاعتراف والاعتذار المتبادل في إطار إجراءات العدالة الانتقالية، وبعد الكشف الفعلي عن الأفراد الذين أجرموا

يقوم بعض الكُتاب بتصوير كلّ ما جرى في سورية، كما جاء في نص عبد الرحمن الحاج في صحيفة العربي الجديد “في ضرورة تسوية تاريخية لتجاوز الماضي السوري” (12/6/2026)؛ بأنّ ما حدث في الثمانينيات وبعد 2011 من إجرام وقتل وانتهاكات لا تُعدّ ولا تُحصى، قامت بها الطائفة العلوية فقط، والادّعاء أنّ رؤيته تمثّل الواقع “الصلب” وأنّها مُستندة إلى دراسات وأبحاث. أوضحنا أنّ الجيش والقوى الأمنية كانت من كلّ الطوائف، والجميع شارك في قمع الثورة. وأخيراً، بدءاً من 13 يونيو/ حزيران الجاري، اندلعت مظاهرات واسعة في سورية ضدّ الشبّيحة، الجيش الرديف، وأوضحت أنّ لكلّ بلدة في سورية شبّيحتها من دير الزور إلى حلب إلى إدلب إلى حماة وهكذا، أي ليسوا فقط علويين، وشنّعوا بالثوار بالحدّة نفسها والإجرام نفسه. التفكير الطائفي، وبدلاً من أن يقرأ كلّ أشكال الإجرام، تعبيراً عن سلطة مُستبدّة وناهبة وتجتهد لتأبيد نفسها وتمثّل مصالح طبقية مُتعدّدة، قرأها تعبيراً عن ممارسات علوية صرفة، وهو بذلك يُعمي بصره عمّا ذُكر، وعن دور “الإخوان” في الثمانينيات، وضمناً “الطليعة المقاتلة”، وكذلك عن دور الفصائل السلفية والجهادية، ومروراً بـ”الإخوان” ما بعد الثورة، وأيضاً يُسقط دور إيران وحزب الله في مجريات الحدث السوري، وكذلك دور تركيا أو الخليج في التطييف والمقتلة.

التفكير الطائفي انتقائي بالضرورة، يختار أحداثاً بعينها، ويصبح بذلك عنصرياً وبشكل منطقيٍّ، فيحدّد الخطر الحقيقي على سورية في العلويين فقط، ويجب أن يعتذروا، ويعترفوا، لكي تتحقّق “التسوية التاريخية” في سورية. كان لافتاً في لحظة هروب بشار الأسد عدم وقوع أيّة مجازر طائفية، ولا سيما أنّ الأسد تعمّد أن تكون المجازر في حمص خاصة طائفية، ونقصد، لو أنّ الثورة طائفية، وكتلة وازنة من السوريين ضدّ العلويين كانت الفرصة مثالية للغاية لارتكاب المجازر الطائفية!. يرى الحاج الاعتراف والاعتذار شرطين للتسوية؛ إذاً المجتمع طوائف وطائفتان فيه متقاتلتان، واحدة ظالمة والأخرى مظلومة، ولا بُدّ أن تعترف العلوية الظالمة وتعتذر ليعود الحق! … طيب، ولماذا يرفض كلّ السوريين تعويم رجل الأعمال السنّي محمد حمشو وتعويم الشبيحة السُّنة؟ التفكير الطائفي ليس عاماً ومُتجذّراً في سورية، بل يقتصر على فئات بعينها، تعتقد ما ذكر أعلاه؛ وبعكس حملة “أنت لست شجرة”، والتي لم يشترك فيها كثرٌ، تظاهرت كل المدن السورية ضدّ التسوية مع الشبيحة السنة، وطالبوا بالعدالة الانتقالية من كلّ رجالات النظام القديم، علويين وسنة و…؛ وعكسوا بذلك واحداً من أهم أهداف الثورة الشعبية، وكذلك رفضاً لإحدى سياسات السلطة الجديدة في التسوية مع الكثير من رجالات النظام البائد.

الاعتراف بحقيقة ما حدث في سورية، من تغييرات اقتصادية واجتماعية وسياسية ودينية وطائفية وسواها وبأهداف الثورة الشعبية، ومنذ وصول حافظ الأسد في 1970، يتطلّب عقلاً موضوعياً، يضع جانباً التفكير الطائفي وكلّ تفكير أيديولوجي أخر. يحصل الاعتراف والاعتذار المتبادل في إطار إجراءات العدالة الانتقالية، وبعد الكشف الفعلي عن الأفراد الذين أجرموا، وفتح كلّ الملفات الموروثة من زمن الأسدين، وهي في حوزة السلطة الجديدة، وهناك ملفات الإخوان المسلمين والفصائل ما بعد الثورة.

 التفكير الطائفي ليس عاماً ومُتجذّراً في سورية، بل يقتصر على فئات بعينها

الكشف عن حقيقة من قام بالإجرام والقتل ستوضّح أنّها مسألة فردية أو عمل مجموعات مُنظّمة وتابعة للأجهزة الأمنية وأنّ دور الأخيرة وقيادات الجيش ولديكم الشبيحة ومن كلّ الطوائف، هو العامل الرئيس فيما جرى. تحديد الأسماء، وكشف الحقيقة، والمحاسبة والمحاكمة وجبر الضرر وتخليد الذكرى وتغييرات في هياكل القضاء والإدارة، يجب أن يترافق مع الاعتراف والاعتذار، وهنا يمكن أن يشمل الاعتذار قادة الطوائف والجماعات والأحياء والعائلات ومن كلّ الأطراف، وليس فقط من العلويين. ولتحقيق المصالحة المجتمعية، ومغادرة كلّ أشكال الانقسام الأهلي. أما طلب هذا من العلويين، فهذا تحميل لكلّ العلويين مسؤولية ما حصل منذ السبعينيات، وكتلة كبيرة منهم عارضت واعتُقلت في زمن الأسد الأب خصوصاً… هذا تفكير مقطوع الصلة بالموضوعية، وينفي كلّ التمايزات فيها، طبقية، أو عائلية، أو مشيخية، أو اقتصادية، والأمر نفسه، يخصّ كلّ الطوائف والسنة بشكل خاص. هناك، وبعد مجازر الساحل والسويداء من انبرى مُجرّماً كل الطائفة السنية و”مدعشناً” إياها؛ وبالمناسبة رفض عبد الرحمن الحاج هذا، في لقاءٍ تلفزيونيٍّ، مُبرئاً الطائفة السنية، وهذا صحيح، ولكنه أخطأ في تبرئة السلطة.

أسوأ ما تواجهه سورية في إطار المجال السياسي والفكري والتعليمي والثقافي تعميم التفكير الطائفي (وهناك من يعتبر انفصال سورية إلى طوائف وقوميات المدخل نحو إعادة تشكيل سورية!) وهو جزء من رؤى السلطة الحالية ونخبها، والأسوأ لها ولسورية، أن تعتمد عليه في إدارة شؤون الدولة والمجتمع والعلاقة مع الطوائف، والحاضر والمستقبل والذاكرة.

تبريد الانقسامات المجتمعية وإجراء التسويات التاريخية يكون عبر إشراك المجتمع في التأسيس الجديد للدولة؛ في السلطة السياسية نفسها، وأوّل مهامها السير بتطبيق العدالة الانتقالية، وكي يتحقّق هذا، لا بُدّ من مؤتمر وطني عام، يجمع كلّ النخب السورية الوطنية، والطوائف، والقوميات. هذا هو المدخل نحو “الطلاق” مع مرحلة الأسدين، ومع الرؤى التي تتحكّم في السلطة الجديدة، وتتعثّر في تسيير شؤون الدولة وبشكل كامل.