يتلاشى الزخم الذي دفع السندات اللبنانية المتعثرة إلى الارتفاع 400%، مع مواجهة المستثمرين احتمال تأخر إعادة هيكلة الديون، وتراجع معدلات الاسترداد بكثير عن المستويات المتوقعة سابقاً.
كانت هذه التداولات الأكثر ربحاً في الأسواق الناشئة قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، قبل أن يقلبها الصراع رأساً على عقب، إذ وجّه ضربة لجهود الإصلاح الحكومية. كما عزز موقف جماعة “حزب الله” المرتبطة بطهران، بعد انتكاسة تعرضت لها في عام 2024 مهدت في نهاية المطاف لانتخاب رئيس يحظى بقبول من الولايات المتحدة.
وتضغط الأزمة الاقتصادية والأمنية المتفاقمة على السندات، التي تراجع سعرها حالياً إلى نحو 25% من قيمتها الإسمية، مُنخفضةً بنحو 5% عن ذروتها قبل الحرب.
القيمة المستردة من سندات لبنان مرشحة للانخفاض
يُرجح هذا السعر أن حاملي السندات لن يستردوا سوى جزء ضئيل من الأموال المستحقة على لبنان. غير أن السندات قد تتعرض لمزيد من التراجع إذا تزايد اقتناع المستثمرين بأن إعادة الهيكلة ستؤدي إلى تراجع القيمة المستردة، وقد تستغرق فترة أطول من المتوقع.
وقال رئيس قسم ديون الأسواق الناشئة لدى “يونيون بانكير بريفي” (Union Bancaire Privée) في لندن: “صراحةً، يصعب توقع إجراء إعادة هيكلة في أي وقت من العام المقبل”.
وأضاف: “من الصعب أن تتجاوز قيمة الاسترداد 20% من القيمة الإسمية. يتحدث البعض عن استرداد 30% أو 33% أو 35%، لكن حساباتي لا تصل إلى هذا المستوى”.
كان لبنان تعثر عن سداد نحو 31 مليار دولار من الديون المُقومة بالعملات الأجنبية في مارس 2020، ولم يسدد أي مدفوعات منذ ذلك الحين. ومع ذلك، ارتفعت هذه السندات بنسبة 432% بين سبتمبر 2024 ومارس 2026، لتسجل الأداء الأفضل بفارق كبير عن نظيراتها في الدول النامية، بحسب البيانات التي جمعتها “بلومبرغ”.
عوامل دعمت ارتفاع السندات اللبنانية
هذا الارتفاع كان مدفوعاً بتشكيل حكومة إصلاح، والآمال في التوصل إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي، إلى جانب اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرمه “حزب الله” مع إسرائيل في عام 2024. وكان مصدر قلق المستثمرين يتمثل في فجوة تبلغ 80 مليار دولار في النظام المصرفي، لا سيما إذا اضطرت الحكومة إلى تحمل الحصة الأكبر من الخسائر. ومع ذلك، توقع كثيرون ألا تتجاوز تخفيضات قيمة السندات- أي خسائر حامليها في إطار إعادة الهيكلة- نسبة 70%.
غير أن الحرب غيرت هذه التوقعات؛ فبينما يتطلب أي برنامج مع صندوق النقد الدولي أن تصبح ديون لبنان عند مستويات مستدامة، فالأرجح أن الأضرار الناجمة عن الصراع خفضت الحد المطلوب بشكل كبير. وإضافة إلى ذلك، يقول مسؤولون لبنانيون إن المساعدات الدولية لم تكفِ لاحتواء الوضع الإنساني المتردي في البلاد، في حين قد تتطلب إعادة الإعمار بعد الحرب مزيداً من الاقتراض.
كل هذه العوامل قد تُجبر حملة السندات على تقبل تخفيضات أكبر.
تطورات السلام في إيران تدعم أجندة الإصلاح في لبنان
قال مدير محفظة استثمار لدى “أرقام كابيتال” التي يقع مقرها في دبي، فادي جندي: “من الناحية التاريخية، توقعنا أن تكون القيم المستردة عند الحد الأدنى من نطاق يتراوح بين 20% و25% من القيمة الإسمية. لكن هذا كان قبل الحرب. أما الآن، ومع ثبات العوامل الأخرى كافة، فيجب أن تتراجع”.
حتى بعد التراجع الأحدث في السندات، حقق المستثمرون في ديون لبنان عائداً بلغ 9% منذ بداية العام. ويتوقف ما سيحدث لاحقاً على ما إذا كانت الولايات المتحدة وإيران، الداعم الرئيسي لـ”حزب الله”، ستتوصلان إلى مسار يقود إلى اتفاق سلام يشمل لبنان أيضاً، ما سيُمكّن الحكومة من المُضي قدماً في تنفيذ أجندة الإصلاح، ويفتح الباب أمام الحصول على دعم من صندوق النقد الدولي.
ويرى جندي أن أي تحول سياسي يُضعف “حزب الله” قد يحسِّن معدلات الاسترداد للدائنين في نهاية المطاف. لكنه يتجنب السوق في الوقت الراهن. وأضاف قائلاً: “لا يزال لبنان عالقاً بين المطرقة والسندان”.