هذا ما تقوله العوائد اللبنانيّة، يتحوّل كلّ اتفاق خارجي فور وصوله إلى بيروت إلى مادة للصراع الداخلي. كما يتحوّل إلى مناسبة لقياس موازين القوى بين الطوائف أكثر مما هو فرصة لقياس مصلحة الدولة.
طبعاً، ما جرى في واشنطن لن يكون استثناءً. سيقال إن الاتفاق غير دستوري، وإن المكوّن الشيعي لم يكن شريكاً في قبوله، وإنه يخالف مبدأ الشراكة الوطنية، وستُستعاد العبارة الأشهر في وثيقة الوفاق الوطني: “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”. وهي حجّة لا يجوز التعامل معها باستخفاف، لأن الاستقرار اللبناني قام، منذ اتفاق الطائف، على فكرة الشراكة لا الغلبة.
في المقابل، لربما يمكنُ الردّ على هذه المخاوف لا يكون بالمواجهة ولا بالاحتفال بانتصار فريق على آخر. يكمنُ بالعودة إلى المرجعية نفسها التي يحتج بها الجميع: الطائف. وهو، قبل أيّ شيء، ينصُّ على بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، كما يؤكد حق لبنان في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لكل شبر من أرضه.
ربما من هذه الزاوية تحديداً، يبدو الاتفاق المعلن عنه أمس في واشنطن، محاولة لإحياء أحد أهم بنود الطائف التي بقيت معلقة طوال العقود الماضية. غير أن المشكلة الحقيقية ليست هنا. المشكلة تكمن في الخطاب السياسي الذي بدأ يطفو على السطح منذ الساعات الأولى. خطاب يقوم على التشفي أكثر مما يقوم على السياسة. هناك من يتحدث وكأن الطائفة الشيعية هُزمت، أو كأنّ المطلوب منها أن تدفع وحدها ثمن التحولات الإقليمية.وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث.
الطائفة الشيعية ليست حزب الله، كما أنَّ حزب الله ليس كل الشيعة. والجنوب الذي دُمرت قراه، وأُحرقت حقوله، ونزح أهله، لا يحتاج إلى خطابات الانتصار والهزيمة. يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى دولة تعيد إعمار ما تهدّم، وتعيد أبناءه إلى بيوتهم، وتحميهم من حرب جديدة.
المستفيد الأول من أيّ انسحاب إسرائيلي، قطعاً ليسوا خصوم حزب الله، المستفيد الأول أبناء الجنوب أنفسهم، الذين تحملوا، مرة جديدة، الكلفة الإنسانية الأكبر. ولذلك فإنّ تحويل أي خطوة تؤدي إلى إنهاء الاحتلال إلى مناسبة لتسجيل النقاط الداخلية هو خطأ سياسي وأخلاقي في آنٍ واحد.
يدفع بعض الخطاب الإعلامي والسياسي الذي يُروّج اليوم، أبناء الطائفة الشيعية إلى الشعور بأنهم مستهدفون كجماعة. إذا كان الهدف فعلاً إعادة الاعتبار للدولة اللبنانية، فإنَّ أول شروطها ألا يشعر أيّ مكوّن بأنّه مدعو إلى توقيع وثيقة إذعان. فالاستقرار لا يصنعه المنتصرون. يصنعه شعور الجميع بأنَّ لهم مكاناً في الدولة المقبلة.
الحاجة اليوم لن تكون في عزل البيئة الشيعية. أشدّ الحاجة اليوم إلى فتح المجال أمام أصواتها المختلفة، أمام مثقفين، وفاعليات اجتماعية، وشخصيات سياسية، قادرة على إنتاج خطاب وطني جديد من داخل هذه البيئة، لا مفروضاً عليها من الخارج. لربما لأنّ كل التجارب اللبنانية أثبتت أن التحولات التي تُفرض بالقوة تولّد “مقاومة”، بينما تلك التي تنمو من الداخل تصبح أكثر رسوخاً وأقلّ كلفة.
المتابع بدقة يرى أنَّه من الواضح أنّ الاتفاق في واشنطن لم يولد في فراغ. الاتفاق جاء بعد مرحلة من التفاهمات الأميركية- الإيرانية. ولا يحتاج المرء إلى تبني نظريات المؤامرة حتى يلاحظ أنَّ أولويات الدول ليست هي أولويات الحلفاء المحليين. فالدول تفاوض لحماية مصالحها، وقد تعيد ترتيب أوراقها كلّما تبدّلت الظروف.
هذا لا يعني قطعاً الجزم بأنّ إيران تخلَّت عن حزب الله، لكنّه يعني أنَّ الدول، في نهاية المطاف، تتحرك وفق حساباتها الاستراتيجية، لا وفق العواطف أو الشعارات. وهذه قاعدة لا تخص إيران وحدها، القاعدة تنطبق على جميع القوى الإقليمية والدولية. ولعلَّ الدرس الذي ينبغي أن يتعلمه اللبنانيون، بكل طوائفهم، هو أنَّ الرهان الدائم على الخارج ينتهي دائماً بخيبة.
قيامة البلد اليوم تقتضي الابتعاد عن كل خطاب استفزازي، والتمسك بالدستور، وباتفاق الطائف، وبفكرة الدولة الجامعة. لأنّ أيّ محاولة لتحويل لحظة إقليمية إلى مناسبة لكسر طائفة أو إلغاء مكوّن لن تؤسس لجمهورية جديدة، هي في أقصاها ستعيد إنتاج الانقسام نفسه الذي أوصل لبنان إلى ما هو عليه.
ربما يكون ما جرى في واشنطن بداية مرحلة جديدة في المنطقة، لكنَّ نجاح هذه المرحلة في لبنان سيقاس بما إذا استطاع اللبنانيون أخيراً أن يعيدوا تعريف انتصارهم الوحيد. أن تنتصر الدولة على منطق المحاور، وأن يشعر كل لبناني، وفي مقدمهم أبناء الجنوب، بأنّهم عادوا مواطنين في بلدهم. نعم وليسوا أوراقاً على طاولات التفاوض.