دمشق-سانا
لم يعد ملف الكبتاغون في سوريا مجرد قضية أمنية لمكافحة المخدرات، بل تحول إلى أحد أبرز عناوين العدالة الانتقالية والمحاسبة، بعدما حوله النظام البائد إلى مصدر رئيسي لتمويل بنيته وآليته العسكرية، رابطاً إياه بشبكات منظمة امتدت داخلياً وخارجياً، ليصبح واحداً من أكبر الصناعات غير المشروعة في المنطقة.
وخلال سنوات الثورة، لم تقتصر سياسة النظام البائد على القصف والاعتقال والتهجير، بل اعتمدت بصورة ممنهجة على توسيع إنتاج الكبتاغون، وتحويله إلى اقتصاد مواز يدر مليارات الدولارات، مستفيدة من شبكات تهريب عابرة للحدود ومرافق إنتاج أقيمت في مناطق مختلفة، وهو ما جعل سوريا آنذاك من أبرز بؤر إنتاجه وتصديره.
تفكيك المنظومة كأولوية وطنية ضمن مسار العدالة
في هذا السياق، عملت الحكومة منذ تحرير سوريا على تفكيك منظومة تصنيع وتهريب المخدرات باعتبارها أولوية وطنية، ضمن جهود بسط سيادة القانون واستعادة مؤسساتها الأمنية والقضائية، وإنهاء الإرث الذي خلفته شبكات الجريمة المنظمة، حيث برزت مواجهة هذه الظاهرة عقب سقوط النظام كأولوية أمنية لتفكيك البنية التي راكمتها على مدى سنوات، لينتقل الملف من أيدي القيادات الأمنية التي كانت تشرف عليها وتحميها، إلى مسار أمني وقضائي يخضع للتحقيقات والمحاكمات، في تحول يعكس بداية مرحلة جديدة تقوم على المحاسبة.
من الغطاء الأمني إلى قفص الاتهام – اعتقال رموز التمويل
في تطور بارز ضمن هذا الملف، أعلنت وزارة الداخلية إلقاء القبض على وسيم الأسد ونمير الأسد، بعد عمليات أمنية محكمة على الحدود السورية-اللبنانية وفي ريف اللاذقية، ووصفتهما بأنهما من أبرز المتورطين في تجارة وتصنيع وتهريب المخدرات خلال عهد النظام البائد.
وكشفت التحقيقات الأولية أبعاداً جديدة للشبكة المعقدة داخل سوريا وخارجها، إلى جانب تهم تتعلق بإدارة مجموعات مسلحة بتكليف من العميد المجرم غياث دلة (قائد لواء في الفرقة الرابعة التي كان يقودها ماهر الأسد)، والإشراف المباشر على معامل التصنيع وترويجها لدول الجوار، والتورط في جرائم قتل وخطف وابتزاز.
كما رافقت العمليات الأمنية سلسلة من الإجراءات القانونية، شملت تجميد الأرصدة والممتلكات المنقولة وغير المنقولة، تمهيداً لتعقب الأموال المرتبطة بهذه التجارة، والكشف عن الحسابات البنكية السرية التي استخدمت في تمويل شراء المواد الأولية، وإنشاء معامل التصنيع، واستئجار خطوط التهريب المتعددة.
تجسيد العدالة الانتقالية عبر الملاحقة القضائية
تندرج هذه الإجراءات ضمن مسار أوسع للعدالة الانتقالية لمحاسبة رموز النظام البائد، إذ يواصل القضاء السوري النظر في ملفات تتعلق بجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات جسيمة ارتكبت خلال حكم النظام البائد، بما يعزز مبدأ عدم الإفلات من العقاب، ويرسخ سيادة القانون، ويضمن محاسبة جميع المتورطين في الجرائم التي طالت السوريين.
حصيلة الضبطيات الميدانية
على الصعيد الميداني، كشفت إدارة مكافحة المخدرات عن تنفيذ 1550 عملية ضبط وإحباط منذ التحرير، أسفرت عن تفكيك 90 شبكة تهريب دولية، وإغلاق 17 معملاً لتصنيع الكبتاغون، في مؤشر على اتساع نطاق المواجهة الأمنية المنظمة ضد هذه الشبكات، كما شملت المضبوطات كميات كبيرة ومتنوعة من المواد المخدرة، بينها مئات الملايين من حبوب الكبتاغون، و15 طناً من الحشيش، و10 ملايين حبة دوائية مخدرة، إضافة إلى كميات من الكوكايين والكريستال ميث والهيروين، فضلاً عن كميات كبيرة من المواد الأولية المستخدمة في التصنيع، بما يعكس حجم الامتداد اللوجستي لهذه التجارة.
الحملة الوطنية الشاملة
في السياق ذاته، أطلقت وزارتا الداخلية والصحة حملة وطنية شاملة تحت شعار “سوريا دون مخدرات”، يوم الجمعة الفائت، بهدف توحيد الجهود المؤسسية والمجتمعية لمكافحة المخدرات، وتعزيز مسار مستدام يحد من انتشارها ويواجه جذورها الاقتصادية والاجتماعية.
وترتكز الحملة على ثلاثة محاور رئيسية متكاملة؛ يتمثل أولها في إنفاذ القانون وملاحقة شبكات التهريب والتصنيع، فيما يركز الثاني على الوقاية والتوعية من خلال تعزيز دور الأسرة والمؤسسات التربوية والتعليمية ومنظمات المجتمع المحلي، أما الثالث فيُعنى بالعلاج والتأهيل وإعادة الإدماج، بما يضمن معالجة الظاهرة من مختلف جوانبها. وبين محاربة الاقتصاد القائم على المخدرات، وتعزيز الأمن، وترسيخ العدالة الانتقالية، تتشكل ملامح مرحلة جديدة تسعى إلى تفكيك إرث شبكات المخدرات، وإعادة بناء منظومة حماية اقتصادية ومجتمعية قادرة على مواجهة أحد أكثر التحديات تعقيداً في المشهد السوري المعاصر.


