اخبار

كيف تصنع المباني سعادتنا؟ عبد الواحد الوكيل يكشف السر

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
كيف تصنع المباني سعادتنا؟ عبد الواحد الوكيل يكشف السر

يحكي المعماري المصري البارز عبد الواحد الوكيل عن كواليس أشهر تصاميمه المعمارية الفريدة، التي مكنته من حصد جوائز عالمية متنوعة في الولايات المتحدة وبريطانيا ومحلية في مصر والسعودية.

وكانت واحدة من أبرز إنجازات الوكيل عندما فُتحت أمامه أبواب المدينة المنورة، ليخوض واحدة من أقدس وأهم تجاربه المعمارية وهي توسعة وتجديد مسجدي قباء والقبلتين ومسجد ميقات آبار علي أو ذي الحليفة.

لم يكن تعامل الوكيل مع هذه المساجد مجرد مشروع هندسي، بل كان حالة روحية وقرارا بالتمرد على الحداثة المشوهة، كما ذكر في الحلقة التي يمكنكم مشاهدتها كاملة بالضغط هنا.

يروي الوكيل -في لقائه مع محمود سعد على بودكاست “بالتفصيل” عبر منصة (أثير)- أن موافقة المسؤولين على بناء مسجد قباء بالطوب وعوامل البناء التقليدية جاءت بعد أن أثبت نجاحه في تحدي عوامل الطبيعة أثناء بناء مسجد الكورنيش في جدة.

حيث آمن المعماري المصري بأن المسجد هو “باب العمارة الإسلامية” التي يجب أن تُبنى بمواد من جنس الأرض لا بالأسمنت البارد.

في مسجد قباء، استبدل الوكيل الخرسانة المسلحة بالهياكل الحاملة من الطوب، معتمدا على فلسفة القباب التي تمنح المبنى تهوية طبيعية وسكينة لا توفرها المكيفات.

أما في مسجد القبلتين، فقد نجح الوكيل بالتعاون مع وكيل وزارة الأوقاف آنذاك، حسام خاشقجي، في “التسلل” بمشروعه بعيدا عن أعين بيروقراطية الحداثة التي كانت تحتقر بناء المساجد بالأساليب التقليدية.

واستطاع الوكيل أن يحول في توسعته للمسجد إلى تحفة معمارية تربط الزمان بالمكان، متمسكا برؤية أستاذه المهندس المعماري البارز حسن فتحي في الاستغناء عن المواد المستوردة، ليثبت للعالم أن أعظم مساجد الإسلام يمكن أن تُبنى وتتوسع وتصمد، ليس بالحديد والأسمنت، بل بالبركة وسحر العمارة الأصيلة التي تحترم النفس البشرية وتاريخها.

المهندس المعماري المصري حسن فتحي (مواقع التواصل)

تلميذ حسن فتحي

واجه الوكيل العديد من التحديات خلال مسيرته الطويلة، بدءا من اقتناعه برؤية المهندس حسن فتحي، الذي اعتمدت فلسفته المعمارية على العمارة النوبية ودمجها مع أفكاره وفلسفته حول الإنسانية في العمارة.

ويروي الوكيل أن نقطة التحول الكبرى في حياته كانت عام 1967؛ ففي الوقت الذي كان فيه المهندسون يبحثون عن حلول حداثية تعتمد على الخرسانة في خضم النكسة، اصطحبه فتحي في جولات بين أحياء القاهرة القديمة.

منزل حلاوة الذي حصد جائزة أغاخان للتصميم المعماري @Aga Khan Award for Architecture - https://the.akdn/

ورغم الهجوم الحاد الذي تعرض له الوكيل من قبل زملائه الأكاديميين المتمسكين بالمدرسة الغربية، إلا أنه صمد مؤمنا بأن الأسمنت الذي روجت له الدولة كبديل عصري في الأرياف هو في الحقيقة “عدو للراحة والبيئة”.

و اعتمدت فلسفة فتحي على تقديم حلول معمارية بيئية واقتصادية مناسبة، مستندة إلى الطوب الطيني في البناء نظرا لتوفره محليا وقلة تكلفته، فالطين يمتاز بقدرته على عزل الحرارة، مما يحافظ على برودة المباني الداخلية في الصيف ودفئها في الشتاء.

واستفاض الوكيل في تفاصيل ماتعة عن مسيرته خلال حلقته في برنامج “بالتفصيل”، وقال إنه لم يتأثر بمدرسة فتحي وحدها فحسب، بل تتلمذ على يد الرسام الإيطالي “سيلفيو بيكي”، ابن الفنان الإيطالي “أوتورينو بيكي”، الذي تولى إدارة مرسم أبيه في الإسكندرية بعد وفاته عام 1948، حيث كانت مصر تشهد في خمسينيات القرن العشرين وما بعدها ازدهارا كبيرا في الفن الحديث.

**داخلية** منزل حلاوة الذي حصد جائزة أغاخان للتصميم المعماري @صفحة فيسبوك - ديوان المعماريين

بيت حلاوة

بدأ الوكيل عمله الخاص عام 1971، وفي ظل نقص مواد البناء الحديثة بعد الحرب، وجد في الحجر الجيري والطين ضالته، فقد صمم (بيت حلاوة) في منطقة العجمي بالإسكندرية، وهو المشروع الذي لم يغير مسيرته فحسب، بل وضعه على الخريطة العالمية حين نال عنه جائزة أغا خان للعمارة عام 1980 في لاهور بباكستان.

وفي لمسة إنسانية تترجم فلسفته، أصر الوكيل على أن يشاركه البناؤون الجائزة، مصطحبا معه البنّاء علاء إبراهيم لتسلمها، مؤكدا أن العمارة فعل جماعي يشترك فيه العقل واليد.

معجزة جدة

انطلق الوكيل إلى المملكة العربية السعودية، وهناك خاض تحديات معمارية وُصفت بالمستحيلة. فقد صمم “قصر السليمان” في جدة عام 1979، الذي اعتبر لاحقا أفضل بيت بُني في المدينة.

لكن التحدي الأكبر كان في “مسجد الكورنيش” أو ما يعرف بمسجد الجزيرة؛ فبينما كانت الرطوبة والرياح تطيح بالأساسات الخرسانية، قرر الوكيل بناء مسجد “بالطوب فقط” بدون أعمدة أسمنتية فوق جزيرة في البحر.

مسجد الكورنيش أو الجزيرة في جدة

هذا الرهان الجريء على الأصالة جعل المسجد أيقونة فريدة، ونال عنه جائزة أغا خان للمرة الثانية عام 1989، حتى إن المحكمين الأجانب قالوا بتهكم “إذا فاز الوكيل مرة أخرى، فسنسمي الجائزة باسمه”.

وصلت أصداء إبداع الوكيل إلى بريطانيا، وتحديدا إلى الأمير تشارلز -الملك حاليا- الذي كان معجبا بالعمارة التقليدية، وكلفه الأمير بتصميم “مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية” وهو المشروع الذي واجه فيه الوكيل تحدي دمج الروح الإسلامية في نسيج مدينة أكسفورد التاريخية.

إذ لم يكن التصميم هو الرابط الوحيد، بل يروي الوكيل تفاصيل عن حوارات فكرية وفلسفية حول جوهر الإسلام جمعته بالملك تشارلز، مؤكدا أن المعمار الحقيقي هو جسر بين الثقافات.

قصر السليمان الواقع في حي الحمراء علي كورنيش جدة @منصة اكس - @GreetingsFromSA

في ختام حديثه، يلخص الوكيل رؤيته التي يحارب من أجلها قائلا إن العمارة ليست مجرد رسم ومبنى، بل هي أمانة.

وقد انتقد بشدة “ناطحات السحاب” وتصاميم المباني العالية التي تخنق الروح الاجتماعية ولا تناسب المجتمعات العربية، متسائلا “كيف تراقب الأم طفلها في الشارع وهي تسكن في الدور العشرين؟”.