بقلم عميد اح دكتور / تامر مكاوي عبد الحليم
الخبير الاستراتيجي / العسكري والسياسي
تشهد منطقة الشرق الأوسطتحولاً جذرياً في طبيعة العلاقات الدولية تزامناً مع تنامي الدور الاسرائيلي ، و تغلغلة فى المنطقة ،
ويمكن تحليل نطاق وبنية وأهمية هذا الانخراط لدولة الكيان من خلال دراسة حجم وهيكل التواجد الاستراتيجي في الشرق الأوسط ،
حيث تدير إسرائيل حضوراً لوجستياً في المنطقة عبر استراتيجية بعيدة المدى تنطوي على استخدام الموانئ المدنية لأغراض عسكرية ،
وسعت لبناء تحالفات جيوسياسية لتأمين مصالحها ، مثل خطواتها الأخيرة للتمهيد لوجود أمني ودبلوماسي في “صوماليلاند” ،
كما تمتلك قواعد استخباراتية سابقة ومستمرة قبالة السواحل اليمنية والأفريقية (مثل أرخبيل دهلك و أرخبيل سقطرى وجزيرة عبد الكوري) لمراقبة مضيق باب المندب ،
بغية حماية مصالحها و استثماراتها ، مع التحرك تدريجياً نحو ترسيخ وجودها الاستراتيجي طويل الأمد في منطقة القرن الأفريقي .
أن الاستراتيجية الإسرائيلية فى منطقة الشرق الأوسط تعتمد على ثلاث ركائز ( اقتصاديا ، أمنيا ، دبلوماسيا ) ،
اقتصادياً ، من خلال تأمين الممرات البحرية الحيوية ، و استغلال الموارد الطبيعية والزراعية لتلبية الاحتياجات الداخلية بتلك الدول ،
وفتح أسواق جديدة للمنتجات والتكنولوجيا الإسرائيلية ، مع الاعتماد على الوكالة الإسرائيلية للتعاون الإنمائي الدولي (ماشاف) كأداة ناعمة عبر تقديم مشاريع في مجالات إدارة المياه ، الزراعة ، والتكنولوجيا الطبية ،
كما تسعى للاستثمار في القطاعات الزراعية ، خاصة في إثيوبيا وكينيا، بهدف تأمين مصادر مستدامة للمنتجات الغذائية ونقل التكنولوجيا الزراعية المتطورة إليها ،
لا سيما أن هذه الدبلوماسية تخلق حالة من الاعتماد الاقتصادي وترسيخ النفوذ السياسي لها بالمنطقة .
وتأتي الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية في الشرق الأوسط لترتكز على مفهوم “الردع المطلق”، والدفاع الاستباقي ، وتأمين العمق الجغرافي الاسرائيلي ،
حيث تعتمد على مبدأ نقل المعركة إلى أرض العدو ( حرب ايران – لبنان – غزة ) ، واستخدام القوة المفرطة لضمان الردع “مذهب الضاحية” لمنع الخصوم من التفكير في أي هجوم مستقبلي ،
وتعتقد تل أبيب في المشروع النووي الإيراني ، وشبكة حلفائها (الأذرع الإقليمية) ، التهديد الرئيسي لأمنها القومي ، مما يدفعها إلى تبني استراتيجية “المعركة بين الحروب” لتعطيل نقل الأسلحة واستهداف القادة بغارات استباقية ،
لذلك تسعى إلى توسيع وتوثيق الشراكات لدمج نفسها في الإقليم ومواجهة النفوذ الإيراني .
و تأتي الاستراتيجية الدبلوماسية الإسرائيلية في الشرق الأوسط لترتكز على نهج “التفوق و الاحتواء”، والذي يهدف إلى دمج إسرائيل سياسياً واقتصادياً في المنطقة من خلال بناء تحالفات إقليمية لمواجهة التهديدات المشتركة ،
واستخدام الدبلوماسية الموازية للعمل العسكري لإعادة رسم التوازنات الجيوسياسية ،
كما تسعى للبناء على اتفاقيات أبراهام لتوسيع نطاق التطبيع الرسمي مع الدول العربية بالمنطقة ،
مع التركيز حالياً على تعميق التعاون الأمني و الاستخباراتي والاقتصادي لحماية المصالح الحيوية ،
و تعتمد على الدبلوماسية النشطة لتسليط الضوء على مكامن الضعف في المحور الموالي لإيران ، و استمالة قوى إقليمية ودولية لتقييد النفوذ الإيراني.
و تسعى إسرائيل لجعل نفسها شريكاً لا غنى عنه في استقرار منطقة الشرق الأوسط ، من خلال دبلوماسية “القوة الذكية” ،
وذلك عبر تصدير ابتكاراتها في مجالات الأمن السيبراني ،التكنولوجيا الزراعية ، وتحلية المياه ، و تهدف تلك الدبلوماسية إلى فصل تسوية القضية الفلسطينية عن مسار التقارب والتطبيع مع الدول العربية ،
متبعةً سياسة ” الإدارة و الاحتواء ” للوضع القائم بدلاً من الحلول الشاملة.
فهل تواجد إسرائيل فى الشرق الأوسط ! توسع جيوسياسي ام استعمار استراتيجي ؟
