خاص المركز الفلسطيني للإعلام
بينما يتواصل العدوان العسكري الإسرائيلي على أرض غزة، تشهد العاصمة المصرية القاهرة، بالتوازي، معركةً من نوع مختلف تمامًا؛ معركة الصياغات والضمانات والتفاهمات. وتتمحور هذه الجولة من المفاوضات حول ملف شائك طالما أعاق الوصول إلى اتفاق نهائي: مسألة سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية.
عقدة السلاح: من الرفض إلى كيف ومتى؟
ولليوم الرابع، تتواصل الثلاثاء مباحثات القاهرة في ظل انخراط كل من رئيسي المخابرات المصرية والتركية ورئيس الوزراء القطري، وبتنسيق مفتوح مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف والممثل الأعلى لمجلس السلام، نيكولاي ملادينوف.
وتشير المعلومات المتداولة من أجواء مباحثات القاهرة التي تجري بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء على أن ملف السلاح كان مطروحًا على الطاولة ضمن حزمة التوصل إلى تفاهم أوسع. وتكشف المعطيات أن جهود الوسطاء تتمحور حول إعادة صياغة البندين الثامن والتاسع من مسوّدة خطة ميلادنيوف، وهما البندان المرتبطان مباشرةً بهذه المسألة الحساسة.
وفي هذا السياق، يرصد المحلل الصحفي وسام عفيفة تحوّلًا لافتًا في طبيعة النقاش، إذ يؤكد أن النقاش لم يعد يدور حول مبدأ الرفض أو القبول، بل حول الكيفية والتوقيت والضمانات.
ويشير عفيفة في مقال له تابعه المركز الفلسطيني للإعلام إلى أن الفصائل الفلسطينية تمسّكت بجملة من المحددات الواضحة تشمل: عدم المساس بالسلاح الفردي، وربط أي ترتيبات بمسار الانسحاب الإسرائيلي ومراحله، ورفض الحديث عن أي تسليم للسلاح قبل القضاء على ظاهرة «العصابات العميلة»، فضلًا عن اشتراط أن يجري أي إجراء في هذا الملف ضمن إطار فلسطيني خالص، وصولًا إلى ربطه بحل سياسي شامل لا بترتيبات أمنية مؤقتة.
وتفتح هذه المقاربة، وفق عفيفة، مساحةً للحركة أمام الوسطاء، إذ تنقل النقاش من سؤال “هل يتم ذلك أم لا؟” إلى سؤال “كيف ومتى وتحت أي ظروف؟”.
من نزع السلاح إلى حصر السلاح: المقاربة الجديدة
وفي قراءته للمقاربات المطروحة يوضح الباحث والمحلل السياسي إياد القرا أن جوهر النقاش الراهن يتمحور حول قضية أثارها المبعوث الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، وتتعلق بـسلاح المقاومة بدعوى أنه العقدة الرئيسية التي تعيق الانتقال إلى مراحل جديدة من الاتفاق.
ويلفت القرا في مقال له تابعه المركز الفلسطيني للإعلام إلى أن ما يطرح حاليًا يمثّل مقاربة مختلفة تقوم على الانتقال من مفهوم “نزع السلاح” إلى مفهوم “حصر السلاح”، بما يعني معالجة القضية ضمن إطار وطني فلسطيني توافقي، وليس كشرط إسرائيلي مسبق يفرض على الفلسطينيين.
وهذه المقاربة، وفق القرا، تمثّل محاولة للجمع بين موقف الاحتلال والولايات المتحدة من جهة، وبين موقف الفصائل الفلسطينية الرافض لنزع السلاح من جهة أخرى، وهو ما قد يتيح نافذةً للخروج من حالة الجمود الراهنة.
السياق الإقليمي: واشنطن تحتاج إلى إنجاز
لا يمكن قراءة مفاوضات القاهرة بمعزل عن السياق الإقليمي المتوتر. بحسب القرا، “تتزامن لقاءات القاهرة مع حالة توتر إقليمي متصاعدة، في ظل المواجهة بين إيران وإسرائيل، وتعثر العديد من الملفات الإقليمية التي تشكّل مصدر قلق للإدارة الأمريكية”.
وفي هذا الإطار، يرى القرا أن واشنطن بحاجة إلى تحقيق اختراق سياسي في أحد الملفات الساخنة، ويبرز ملف غزة كأحد المسارات القابلة لإنتاج إنجاز دبلوماسي يمكن للرئيس الأمريكي تقديمه. كما تجد إسرائيل نفسها في موقف يستدعي مخرجًا: فنتنياهو يواجه أزمات متراكمة تبدأ من المواجهة مع إيران، مرورًا بالتحديات في لبنان، ولا تنتهي عند غياب أي إنجاز حقيقي يمكن الإعلان عنه في غزة.
وتجدر الإشارة إلى أن الاتفاق الحالي الذي تخرقه إسرائيل يوميا تشكّل في إطار رعاية أمريكية-مصرية-قطرية مشتركة منذ أكتوبر الماضي؛ مما يجعل انهياره خسارةً استراتيجية لجميع الأطراف الراعية، لا مجرد فشل تفاوضي عابر.
آلية كسر الجمود: الكرة في الملعب الأمريكي-الإسرائيلي
يحدّد القرا الأثر المحتمل لقبول الفصائل مناقشة ملف “حصر السلاح” ضمن إطار وطني فلسطيني، قائلًا إن ذلك «يسقط الذريعة التي استخدمت خلال الأشهر الماضية لتبرير تعطيل تنفيذ الاتفاق»، وينقل عبء التحرك إلى الجانب الأمريكي-الإسرائيلي.
وإذا تحقق التوافق على هذه الصيغة، يرى القرا أن المطلوب عمليًا سيكون الانتقال إلى تنفيذ بقية بنود الاتفاق المعطّلة، وفي مقدمتها: الانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزة، وتفعيل اللجنة الإدارية المنبثقة عن الاتفاق، وإطلاق مسار إعادة الإعمار، وفتح المعابر.
يذكر أن الاحتلال لم يلتزم بتنفيذ الاستحقاقات المترتبة عليه بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، رغم التزام الفصائل الفلسطينية بكل ما عليها، وسط تقديرات بأن موضوع السلاح مجرد ذريعة لاستمرار العدوان.
رؤية للقادم: ثلاثة سيناريوهات
بناءً على تحليل المشهد الراهن وتداخل مصالح أطرافه، يمكن -وفق الخبراء -رسم ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة:
السيناريو الأول: اختراق محدود: التوصل إلى صياغة توافقية حول حصر السلاح ضمن إطار وطني، تفتح بموجبها ثغرة في جدار الجمود، ويشرع في تنفيذ البنود التشغيلية للمرحلة الثانية من الاتفاق. هذا السيناريو هو الأكثر ترقبًا في الأجواء الدبلوماسية المتداولة.
السيناريو الثاني: إطالة الأمد: تنجح جولة القاهرة في منع الانهيار الكامل لمسار التفاوض دون التوصل إلى اتفاق نهائي، فتبقى المفاوضات مستمرةً على وقع الضغوط المتصاعدة، بانتظار متغيرات جديدة تعجّل بالحسم.
السيناريو الثالث: انهيار المسار: تعجز المباحثات عن ردم الهوة بين الموقفين، فينهار الاتفاق كليًا أو يتعطل تعطلًا يرقّي إلى مستوى الانهيار الفعلي. غير أن هذا السيناريو يبدو الأقل احتمالًا في ضوء التكاليف الباهظة التي يتكبدها جميع الأطراف جراء استمرار الإبادة.
في المحصلة، يتقاطع تحليلا عفيفة والقرا على قناعة جوهرية واحدة: القاهرة لا تبحث عن اتفاق جديد يعيد رسم الخرائط، بل تسعى إلى إيجاد جسر يتجاوز آخر عقدة تعترض الطريق.
ويبقى الجميع بانتظار ساعات حاسمة تنتظر الوسطاء ليبنوا صيغةً توازن بين ثوابت الفصائل الفلسطينية والحسابات الدولية المتشابكة، في لحظة إقليمية بالغة الحساسية.