هل سقطت استراتيجية “البحيرة الإيرانية” في مضيق هرمز؟ وهل تراجع الغرب عن الدبلوماسية وبدأ فعلًا معركة المضيق؟
السؤال لم يعد نظريًا بعد الضربات الأمريكية الأخيرة على جنوب إيران، فواشنطن لم تضرب أهدافًا عشوائية، بل ضربت وفق مصادر دبلوماسية وعسكرية مواقع ترتبط مباشرة بمنظومة السيطرة الإيرانية على ساحل هرمز.. رادارات، ومنصات صاروخية، ودفاعات بحرية، وتموضعات كانت طهران تستخدمها لبناء أمر واقع جديد في واحد من أخطر الممرات النفطية في العالم.
استراتيجية “البحيرة الإيرانية” تقوم على فكرة بسيطة وخطيرة.. أن يصبح المضيق ممرًا لا يعبره أحد إلا تحت عين طهران وتهديدها.. لا إغلاقًا كاملًا بالضرورة، بل خنق متدرج للملاحة، ورسائل عسكرية متكررة، ورفع كلفة المرور أمام العالم.
لكن الضربات الأمريكية كسرت جزءًا من هذه المعادلة.. الرسالة كانت واضحة.. هرمز لن يتحول إلى مساحة نفوذ إيرانية مغلقة، ولن تملك طهران وحدها حق تحديد من يمر ومن يتوقف.
الأهم أن أوروبا، التي كانت ترفض علنًا خيار فتح المضيق بالقوة، بدأت تعيد حساباتها.. فرنسا وألمانيا وبريطانيا حضروا اجتماعات عسكرية واستخباراتية مع واشنطن؛ لبحث عمليات أمنية بحرية مشتركة، ليس لأنهم يحبون الحرب، بل لأن الطاقة والناتو والاقتصاد دفعوهم إلى زاوية ضيقة.
العمق هنا أن هرمز لم يعد مجرد مضيق بحري، بل أصبح اختبارًا لمن يملك قواعد اللعبة في المنطقة.. إيران تراهن على الجغرافيا، وعلى أن قربها من المضيق يمنحها حق التحكم بإيقاع الملاحة والضغط على خصومها، بينما يراهن الغرب على أن حرية المرور ليست امتيازًا تمنحه طهران أو تسحبه، بل خط أحمر في النظام الدولي، لذلك تبدو المعركة أبعد من السفن والناقلات.. إنها معركة على معنى السيطرة نفسها.
هنا يتراجع هامش الدبلوماسية.. فكلما طال تعطيل الملاحة، صارت أوروبا أكثر اقترابًا من الموقف الأمريكي، وكلما بالغت إيران في اختبار المضيق، منحت الغرب مبررًا أوسع للتحرك.
لذلك، ما يجري ليس مجرد رد على إسقاط مروحية أمريكية.. إنه انتقال من مرحلة التحذير إلى مرحلة تشكيل القوة، ومن المفاوضات حول هرمز إلى الاستعداد لمعركة هرمز.