لم تسفر الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2024 عن رابحين كثر في قطاع استطلاعات الرأي، باستثناء شركة “جي إل بارتنرز” البريطانية، التي لم تتوقع فوز دونالد ترامب بالتصويت الشعبي فحسب، بل حددت بدقة حصته من الأصوات الانتخابية قبل شهر من فوزه.
والسر وراء هذا النجاح يكمن في استطلاع آراء ممارسي ألعاب الفيديو؛ حيث نجحت الشركة، عبر استطلاعات الرأي المضمنة في ألعاب الهواتف المحمولة، في الكشف عن تأييد غير متوقع لترامب بين الناخبين الشباب من ذوي البشرة السمراء والمنحدرين من أصول لاتينية، وهم فئة لا تثق عادة بالاستطلاعات التقليدية، وفق ما نقلت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، السبت 13 يونيو 2026.
ساحة معركة رقمية
بحسب الصحيفة لم تعد ألعاب الفيديو مجرد هواية أو شكل من أشكال الفنون، بل تحولت إلى ساحة معركة رقمية للمصالح الشركاتية والحكومية، وأصبحت واحدة من أوضح مظاهر القوة الناعمة في العالم المعاصر.
ويوضح الخبير جورج أوزبورن في كتابه “لعبة القوة” أن العالم الرقمي يؤثر بشكل ملموس في واقعنا المادي، مشيراً إلى أن الأنظمة الاستبدادية والشعبوية المتطرفة أدركت هذا الإمكان باكراً وتحركت للسيطرة على هذا الفضاء وتوظيفه لمصالحها.
وأكد التقرير أن المملكة العربية السعودية تأتي في مقدمة الدول المستثمرة في هذا المجال؛ ففي سبتمبر الماضي، دخلت الدولة في شراكة مع مجموعات استثمارية أمريكية للاستحواذ على شركة “إلكترونيك آرتس” المطورة لسلاسل شهيرة مثل “بfields” و”The Sims” في صفقة بلغت قيمتها 55 مليار دولار.
تحول إستراتيجي نحو الترفيه الرقمي
يعد هذا الاستحواذ جزءاً من تحول إستراتيجي نحو الترفيه الرقمي، حيث استحوذت المملكة أيضاً على ألعاب مثل “بوكيمون جو” وأسست منظمة تدير أكبر بطولة احترافية للرياضات الإلكترونية في العالم، لربط النوايا الحسنة بالحوافز المالية وخلق مساحة يصعب انتقادها.
ويبدو أن تسريع الصين لمشاركتها في هذا القطاع أكثر براجماتية؛ فمع وجود 700 مليون لاعب محلي، فرضت بكين قوانين ترخيص صارمة وبرامج تتبع لمراقبة اللاعبين، محولة الألعاب عبر الإنترنت إلى امتداد لدولة المراقبة.
وفي عام 2019، أدرجت منظمة الصحة العالمية “اضطراب الألعاب” ضمن تصنيفها للأمراض، لتحدث الصين بعدها قوانينها وتجبر المطورين على التحقق من هوية اللاعبين لمراقبة وقت اللعب والإنفاق لدواعي الصحة العامة، مما خلق طبقة جديدة تسمح للدولة بتشديد شبكة مراقبتها.
التداعيات أكثر خطورة في روسيا
أما في روسيا، فتبدو التداعيات أكثر خطورة؛ حيث تظهر جلياً في وحدات التحكم التي يستخدمها طيارو المسيرات الروس والأوكرانيون في النزاع المستمر، فضلاً عن دعم القوات المسلحة الروسية لتطوير ألعاب إستراتيجية مجانية مثل “Squad 22: ZOV” التي تركز على “غزو أوكرانيا”، مما يخلق حرباً افتراضية بالوكالة يتورط فيها اللاعبون دون وعي. وتدرك روسيا أن الألعاب تقع في قلب المجتمعات الرقمية المتصلة، وأن أي إثارة للجدل داخلها يمكن أن تنتشر وتحدث ارتدادات في الواقع.
وفي المقابل، يبدو حجم الاستثمار من الحكومات الغربية ضئيلاً للغاية؛ فبينما أطلقت بريطانيا صندوقاً بقيمة 28.5 مليون جنيه إسترليني لمساعدة المطورين، أطلق الصندوق السعودي لتطوير الألعاب ميزانية بلغت 38 مليار دولار. وفي غياب بديل ديمقراطي حقيقي، يضطر المطورون إلى تقديم تنازلات لضمان دخول الأسواق أو الحصول على الاستثمارات، مما يؤثر حتماً في الجماهير المستهدفة بالرسائل السياسية المبطنة.