في الوقت الذي كانت فيه الأنظار مشدودة نحو شاشات الملاعب لمتابعة منافسات كأس العالم، وفي غمرة انشغال الرأي العام بتفاصيل المباريات، كانت ماكينة الأغلبية الحكومية المخزنية داخل مجلس المستشارين تعمل بهدوء بعيداً عن صخب الجماهير، ليس لتسجيل أهداف لصالح المواطن، بل لإسقاط مقترحين قانونيين يمثلان شريان الحياة للقدرة الشرائية للمغاربة: تسقيف أسعار المحروقات، وتأميم مصفاة “لاسامير”.
سيناريو الانقلاب التشريعي
الواقعة التي شهدها مجلس المستشارين تكشف عن وجهٍ آخر للممارسة السياسية، حيث تحول البرلمان من فضاء للنقاش العام إلى غرفة عمليات لتمرير أجندة الأغلبية. فبعد أن تمكنت مقترحات تسقيف المحروقات وتأميم المصفاة من العبور من بوابة لجنة المالية، مستفيدةً من غيابٍ “غير مبرر” لنواب الأغلبية، جاءت الجلسة العامة لتضع حداً لهذا “الاستثناء”. بحضورٍ مكثف وشامل، حشدت الأغلبية قواها لتصوت بـ 29 صوتاً ضد المقترحين، مقابل 10 أصوات فقط مؤيدة، معلنةً بذلك الوفاة الرسمية لهذين المقترحين.
لماذا يخشى المخزن تسقيف المحروقات وتأميم “لاسامير”؟
الهدف من تسقيف المحروقات كان واضحاً: وضع حد لحالة الفوضى السعرية التي تنهش جيوب المواطنين، من خلال ربط الأسعار بالسعر العالمي للبرميل، وإضافة هامش ربح معقول للنقل والتخزين. أما “لاسامير”، فكانت تمثل رمزاً للسيادة الطاقوية المفقودة؛ إذ إن عودتها إلى حضن الدولة كانت ستشكل صمام أمان لضبط السوق وتأمين المخزون الاستراتيجي.
لكن، يبدو أن هذه المقترحات كانت تلامس مناطق محظورة في الاقتصاد السياسي المغربي، حيث تُهيمن لوبيات المحروقات وتضارب المصالح، مما يجعل من فكرتي “التأميم” و “التسقيف” تهديداً مباشراً لمراكز القوى التي تقتات على وضعية السوق الحالية.
توقيت الجريمة: استغلال انشغال المواطن
إن اختيار توقيت كأس العالم لتمرير هذا القرار ليس محض صدفة. فالمخزن، بخبرته في هندسة توزيع الثروة والدخل، يدرك جيداً أن تمرير قوانين مؤلمة في أوقات الذروة الرياضية أو الانشغالات المعيشية اليومية يقلل من حدة رد الفعل الشعبي. لقد تم قطف هذين المقترحين بينما كان الرأي العام منشغلاً بنتيجة المنتخب الجزائري مع نظيره الأردني وبمباريات المونديال عموما، في استراتيجية واضحة لتمويه المواطن وتجنب نقاشٍ مجتمعي حقيقي حول سيادته على موارده.
سؤال السيادة والعدالة
إن إسقاط القانونين يطرح تساؤلات جوهرية حول هوية “الدولة الاجتماعية” التي تتبجح بها حكومة المخزن. فإذا كانت الدولة ترفض تسقيف أرباح الشركات، وترفض استعادة مصفاة وطنية استراتيجية، فكيف لها أن تدعي الانحياز للطبقات الهشة؟
إن ما حدث داخل مجلس المستشارين ليس مجرد تصويت تقني، بل هو إعلان عن انتصار لوبيات الريع على حقوق المواطنين. فبينما كانت الشعارات تُرفع للحديث عن الكرامة، كانت الأيادي تُرفع داخل البرلمان لتقنين استمرار الغلاء وترك السيادة الطاقوية في مهب الريح.
إن إسقاط هذين المقترحين يكرّس الانطباع بأن المؤسسة التشريعية، في تركيبتها الحالية، لا تعمل كصوتٍ للمواطن، بل كغطاءٍ لشرعنة اختياراتٍ تزيد من حدة الاحتقان. المغاربة الذين يتابعون مباريات المونديال قد ينسون النتائج غداً، لكنهم لن ينسوا أن هناك في البرلمان من صوّت ضد “خبزهم” وضد “سيادتهم” في لحظةٍ ظنوا فيها أن الشعب غافلٌ.. فهل يعتقد المخزن أن تخدير المواطنين بكأس العالم سيحمي اختياراته السياسية من المحاسبة التاريخية؟ الأيام وحدها كفيلةٌ بالإجابة.