اخبار

الحزب في بعبدا… متى وكيف؟

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
الحزب في بعبدا… متى وكيف؟

على رغم الصخب الإقليمي الذي أفرزه الاتفاق الإيراني – الأميركي، فإن حزب الله يمارس قدراً عالياً من الهدوء. صحيح أنه صُنّف، إلى جانب إيران، رابحاً في السياسة، لكنه قرر الاحتفاظ بربحه الصافي إلى حين توافر الظروف المناسبة لصرفه. من دون أدنى شك، استطاع الحزب التقاط أنفاسه، وهو الآن في مرحلة مقاربة وترتيب أوراقه واستخلاص القراءات السياسية والعبر العسكرية المناسبة لإسقاطها على المرحلة الراهنة وفي المستقبل. ولعل أبرز ما أمكن رصده في هذا السياق ما جاء على لسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، الذي اعتبر أن المشروع الإسرائيلي دخل مرحلة السقوط.

 

وفي ضوء النتائج التي أُرسيت في إسلام آباد، وما شكلته على مستوى الإقليم، وما نجم عنها من إنتاج آلية لمنع التصادم في جنوب لبنان تتألف، إلى جانب إيران والحزب بوصفهما شريكين أساسيين، من قطر وباكستان والولايات المتحدة، أخذ الحزب يعيد ترتيب أوراقه السياسية الداخلية المبعثرة، موحياً برغبته في الشراكة لا القطيعة، بمعنى الاستفادة من نتائج الحرب في تثبيت حضوره لا الإنتقام والتشفّي من خصوم مفترضين! 

 

رسائل ودلالات إلى المحيط 

فحين يجدد الشيخ نعيم قاسم التذكير باتفاق الطائف ثم الدستور، فإنه يحاكي الخارج قبل الداخل، ويشدد على نهائية الإعتراف بالدولة، وعلى موقعه كضامن في أي معادلة سياسية داخلية. وهذا يُقرأ في الوقت عينه كرسائل ودلالات إلى المحيط العربي، وتطال خصوصاً السعودية بوصفها راعياً للطائف. ولا بد من الاعتراف بأن الحزب طيلة مسيرته لم يشكل خطراً على الطائف، ولا حتّى في أوج قوته. وهذا ما تدركه السعودية جيداً.

صحيح أنه ما زال من المبكر الحديث عن نتائج سياسية نهائية للاتفاق الإيراني – الأميركي أو للآلية الرقابية المنبثقة عنه، إلا أنه لا بد من الإقرار بأن الاتفاق بحد ذاته أرسى توازنات إقليمية وعربية انعكست بقوة على الداخل اللبناني، وأوجد ترتيبات ذات طابع تسووي واضحة.

 

ترتيبات جديدة قريباً

ولا شك في أن اتفاق عدم التصادم، المنبثق عن اعتراف مجموعة دول ذات وزن إقليمي ودولي، وفر للحزب ولبنان ضمانة فاقت بقوتها تلك التي أُرسيت زمن اتفاق 27 تشرين الثاني 2024. وبهذا المقدار يمكن فهم الهجمة الإسرائيلية المضادة الرامية إلى تفريغ الآلية من مضمونها ومحاولة نسفها ميدانياً وسياسياً، لأنها ببساطة أوجدت شراكة عربية – إيرانية – أميركية، ومع حزب الله، لضمان وقف حقيقي لإطلاق النار. وهو توازن كرسته، بطبيعة الحال، الصواريخ الستة التي أطلقها الحزب في آذار الماضي.

ومن الطبيعي أن ينسحب هذا المناخ الإيجابي على الداخل اللبناني. وليس سراً أن ثمة وسطاء يتحركون، بعيداً عن الأضواء، على خط بعبدا – حارة حريك، وكذلك على خط طهران – بيروت، لإيجاد المقاربات الدافعة نحو ترتيبات جديدة بين مختلف الأطراف.

 

ولم يعد سراً أيضاً أن الحزب تأثر إيجاباً بقرار إيران كسر التشنج مع قصر بعبدا. فقد بدأت المبادرة بتواصل على مستوى السفير الإيراني في بيروت مع القصر، ثم برسائل بعثت بها السفارة، استُتبعت بأخرى جاءت من طهران، قبل أن تُدشَّن باتصال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي أطلق مسار المتابعة والتنسيق مع قصر بعبدا، وهو مسار تعامل معه رئيس الجمهورية بالجدية نفسها.

 

الآن، وفي ضوء مجمل هذه التطورات، أُعيد الاعتبار إلى سؤال واضح: متى نرى حزب الله في بعبدا؟

 

في الحقيقة، كان الحزب قاب قوسين أو أدنى من زيارة القصر الجمهوري قبل نحو شهر. يومها توصل الوسطاء إلى ترتيبات بين الحزب والقصر، بُنيت على مشورة إيرانية – لبنانية، كان جوهرها أن تأتي إيران، عبر مسار إسلام آباد، بوقف لإطلاق النار، ويكون لبنان حراً في كيفية التعامل معه في حال الموافقة عليه، أي المضي في تثبيته ضمن مسار واشنطن.

 

وبالفعل، قارب الحزب هذه الفكرة بإعلانه الجهوزية لوقف إطلاق نار متلازم مع وقف إسرائيلي مماثل يأتي به الأميركيون. وكانت الأمور تتجه نحو هذا المسار، وصولاً إلى زيارة تمهيدية  ترتيبية يقوم بها النائب حسن فضل الله في سبت ذلك الشهر، ممثلاً للحزب، تستتبع بعد أيام بزيارة علنية لوفد من كتلة الوفاء للمقاومة برئاسة النائب محمد رعد، لو لم يذهب الحكم إلى الموافقة على إعلان نوايا بينه وبين إسرائيل في واشنطن ومضى به من دون إبلاغ الحزب، فاستُبدل مسار اللقاء بالتشدد الذي جرى التعبيير عنه في موقفين للشيخ قاسم والرئيس نبيه بري. 

 

اليوم تبدلت المعطيات. فصحيح أن لبنان الرسمي يخوض في واشنطن اختبارات تفاوضية مع إسرائيل لا تبدو مجدية حتى اللحظة أو مقدراً لها الوصول إلى شيء ملموس، لكنه في الوقت نفسه يفتح خطوطاً أكثر فاعلية مع الحزب والإيرانيين، الذين يعتبرون أنهم قدّموا وقفاً لإطلاق النار إلى رئاسة الجمهورية، وأن مهمة تثبيته باتت تقع على عاتقها إن توفرت النوايا الصافية.

 

ولا شك أن ما سلفه الإيرانيون والحزب إلى قصر بعبدا أكبر بكثير مما كان متوقعاً أو مرتقباً من مسار واشنطن. وما زاد من قيمة هذا التسليف الحضور القطري والباكستاني، وموافقة الولايات المتحدة على آلية يُفترض أن ترث «الميكانيزم» القائم، وأن يكون لها إطار عسكري تمثيلي واضح ومعلوم.

 

ولهذا السبب تقر بعبدا، ولو على مضض، بقيمة مسار إسلام آباد ونتائجه، وتعمل على توظيفه لتحقيق مكسب سياسي داخلي يقبله الحزب، شرط التوصل إلى اتفاق على آلية انسحاب إسرائيلي من الجنوب المحتل من دون أن يمنح لبنان أي شرعية للاحتلال. وهي النقطة التي يُعمل على تثبيتها بأدوار ملموسة لعين التينة.

 

«فترة تجريبية»

قد يُفهم من كل ما تقدم أن الحزب سلّف الدولة مهمة تأمين ظروف الانسحاب. والأدق أن الحزب قبِل منح «فترة تجريبية» لاختبار النيات المتبادلة، سواء لدى الدولة أو لدى العدو.

 

فإذا كان وقف إطلاق النار سيقود إلى انسحاب إسرائيلي وفق صيغة تحفظ حق لبنان وتطرد الاحتلال بالوسائل الدبلوماسية، فلا مشكلة لدى الحزب، شرط ألا ينخرط لبنان في أي تنسيق عسكري مباشر مع الإسرائيليين ميدانياً، وألا يترك لهم مناطق محتلة، حتى لو جرى ذلك تحت عنوان «المناطق التجريبية».

 

فصحيح أن الحزب أعلن رفضه لهذه الفكرة، لكنه أعلن في مكان آخر التزامه باتفاق 27 تشرين الثاني. وإذا كان هذا هو المعيار الذي يُحتكم إليه، فهو موافق على الانسحاب من جنوب الليطاني مقابل انسحاب إسرائيلي مماثل، شرط وضع جدول زمني سريع ومحدد، وهو ما يطمح إلى أن تتولاه الآلية التي شُكلت حديثاً.

 

وتبقى العقدة في مسائل داخلية أساسية: قرار الحكومة في 2 آذار، وإعلان النوايا بين لبنان وإسرائيل. فواحد من شروط الحزب للحل الشامل يتمثل في إلغاء مفاعيل الأول والتراجع عن الثاني، الذي يعتبره خطأً سياسياً ينبغي تصحيحه.