الخرطوم ـ «القدس العربي»: قتل مواطنان وأصيب عدد آخر من المدنيين، الخميس، إثر هجوم بطائرة مسيرة استهدف مدينة ربك في ولاية النيل الأبيض، وسط البلاد، في وقت أكدت فيه قيادة الفرقة الرابعة مشاة التابعة للجيش السوداني، تمسك قواتها بمواقعها القتالية في إقليم النيل الأزرق، نافية تقارير تحدثت عن تراجع ميداني أو فقدان السيطرة في محيط مدينة الكرمك.
وتقع الكرمك في أقصى جنوب شرق السودان في إقليم النيل الأزرق، على الحدود مباشرة مع دولة إثيوبيا، وتشكل معبراً حدودياً رئيسياً بين السودان وإثيوبيا.
ويشهد الإقليم انتشارا لقوات الجيش السوداني إلى جانب الحركة الشعبية – جناح مالك عقار، المنشقة عن جناح الحلو، حيث يدعم عقار الجيش ويشغل منصب نائب رئيس مجلس السيادة، في حين يتحالف جناح الحلو مع قوات «الدعم السريع».
وخلال الحرب الدائرة في السودان برزت الكرمك كإحدى المناطق ذات الأهمية العسكرية بسبب موقعها الحدودي وقربها من خطوط الإمداد والطرق المؤدية إلى عدد من المناطق الاستراتيجية في إقليم النيل الأزرق، ما جعلها مسرحاً لمواجهات متكررة وتنافساً على السيطرة على المناطق المحيطة بها.
تزامن ذلك مع هجوم صباح الخميس على مدينة ربك أحدث حلقة في سلسلة الهجمات بالطائرات المسيرة التي تشهدها عدة ولايات سودانية خلال الأشهر الأخيرة، بالتزامن مع تصاعد المعارك في جبهات النيل الأزرق وكردفان، واتساع نطاق الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات «الدعم السريع».
وقالت مصادر محلية إن الطائرة المسيرة استهدفت ربك في الساعات الأولى من الصباح، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، بينما تواصل السلطات عمليات الحصر لتحديد العدد النهائي للضحايا.
ويأتي الهجوم بعد أسابيع من استهداف مواقع ومنشآت خدمية ومحطات وقود في ولاية النيل الأبيض، الأمر الذي زاد من المخاوف بشأن اتساع رقعة الهجمات الجوية ووصولها إلى مناطق بعيدة نسبياً عن خطوط المواجهة المباشرة.
وتقع مدينة ربك على الضفة الشرقية للنيل الأبيض مقابل مدينة كوستي. وترتبط المدينتان بشبكة من الطرق والجسور وخطوط السكك الحديدية، ما يجعل المنطقة أحد أهم مراكز النقل والتجارة في وسط السودان.
وتحتل ولاية النيل الأبيض موقعا استراتيجيا على الطريق الرابط بين وسط السودان وجنوبه، كما تشكل ممراً للحركة التجارية والنقل بين عدد من الولايات. وخلال الحرب المستمرة في البلاد استقبلت الولاية أعداداً من النازحين الفارين من مناطق القتال في الخرطوم والجزيرة وسنار وولايات أخرى.
وشهدت الولاية خلال الفترة الأخيرة سلسلة هجمات بالطائرات المسيرة استهدفت مواقع ومنشآت خدمية، من بينها محطات وقود ومرافق عامة في مدينتي ربك وكوستي.
وفي تطور موازٍ، نفت قيادة الفرقة الرابعة مشاة في مدينة الدمازين، عاصمة إقليم النيل الأزرق، ما وصفتها بـ«الشائعات والادعاءات» المتداولة حول الأوضاع العسكرية في الكرمك والمناطق الحدودية في النيل الأزرق، مؤكدة أن قواتها لا تزال تسيطر على مجريات العمليات وتتمتع بقدرة قتالية كاملة للتعامل مع المستجدات الميدانية.
وقالت قيادة الفرقة، الخميس، إن المعلومات المتعلقة بالسيطرة على المناطق أو تحريرها تصدر حصرياً عبر القيادة العامة للقوات المسلحة ومكتب الناطق الرسمي باسم الجيش، داعية المواطنين إلى عدم الالتفات إلى ما وصفتها بالحرب الإعلامية المصاحبة للمعارك.
ويأتي إعلان الجيش وسط استمرار المعارك في جبهة النيل الأزرق التي تحولت منذ مطلع العام الجاري إلى واحدة من أكثر جبهات القتال نشاطاً في السودان.
وشهدت المنطقة خلال الأشهر الماضية مواجهات متكررة بين الجيش السوداني من جهة وقوات الدعم السريع وحلفائها في الحركة الشعبية جناح عبد العزيز الحلو، من جهة أخرى، خاصة في محيط الكرمك والبركة والمناطق المتاخمة للحدود الإثيوبية. وتسببت العمليات العسكرية في موجات نزوح واسعة وتدهور في الأوضاع الإنسانية في الإقليم.
وكانت الحكومة قد حذرت منذ ديسمبر/ كانون الأول الماضي من تحركات لقوات الدعم السريع من داخل الأراضي الإثيوبية في اتجاه النيل الأزرق، الأمر الذي دفع الجيش إلى تعزيز انتشاره في الإقليم الذي يشهد تصعيدا عسكريا عنيفا وسط موجات نزوح واسعة.
وتحظى مدينة الكرمك بأهمية استراتيجية خاصة لوقوعها على مقربة من الحدود مع إثيوبيا، كما تمثل عقدة لوجستية مهمة في إقليم النيل الأزرق.
وتبرز أهمية الكرمك باعتبارها بوابة حدودية رئيسية، حيث يؤثر التحكم فيها بشكل مباشر على خطوط الإمداد ومسارات التحركات العسكرية داخل إقليم النيل الأزرق.
ويأتي ذلك في ظل اتهامات حكومية لإثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها لشن هجمات تنفذها قوات الدعم السريع على مناطق في جنوب شرق السودان.
وخلال الأسابيع الأخيرة تبادل الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إعلان السيطرة على عدد من المناطق المحيطة بالمدينة، بما في ذلك منطقة البركة التي شهدت معارك عنيفة وتغيرات متكررة في السيطرة الميدانية.
وحسب مصادر عسكرية، تمكن الجيش خلال مايو/ أيار ويونيو/ حزيران من تنفيذ عمليات هجومية في أجزاء من النيل الأزرق واستعادة مواقع استراتيجية، فيما واصلت قوات الدعم السريع شن هجمات مضادة بهدف الحفاظ على نفوذها في المحور الجنوبي الشرقي للبلاد.
وفي جبهة كردفان، تتواصل أيضاً التحركات العسكرية المكثفة، حيث تشهد ولايات كردفان هجمات متبادلة بالطائرات المسيرة والقصف المدفعي، بينما يحاول كل طرف تعزيز مواقعه استعداداً لمعارك جديدة في المناطق الاستراتيجية التي تربط غرب السودان بوسطه.
وتشير تقديرات مراقبين إلى أن السيطرة على محاور كردفان والنيل الأزرق ستلعب دوراً حاسماً في رسم موازين القوى خلال المرحلة المقبلة من الحرب.
يأتي ذلك في وقت يتصاعد استخدام المسيرات الذي يعد تحولاً متزايداً في طبيعة الحرب السودانية، إذ باتت الضربات الجوية غير المأهولة أداة رئيسية لاستهداف الأهداف العسكرية والبنية التحتية ومراكز الإمداد، ما يزيد من المخاطر على المدنيين ويعقد المشهد الأمني في الولايات البعيدة عن خطوط الاشتباك التقليدية.
السودان: مقتل مدنيين في هجوم بمسيّرة… والجيش ينفي تراجعه في النيل الأزرق