اخبار

محاق ستارمر وأوهام «السبيل الثالث»

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
محاق ستارمر وأوهام «السبيل الثالث»

لعلّ تعبير «منجاة طيّبة» Good Riddance، الذي استخدمته النائبة البريطانية زارا سلطانة، هو أحد أفضل الصياغات في توصيف استقالة رئيس الحكومة البريطاني كير ستارمر، ليس لأنّ سلطانة عضو في مجلس العموم البريطاني عن حزب «العمال»، الذي انسحبت منه لاحقاً للانضمام إلى تنظيم أسسه جيريمي كوربن تحت اسم «حزبك»، فحسب؛ بل كذلك، وهذا تفصيل غير هامشي، لأنها من أصول باكستانية، واستقالت احتجاجاً على قرارات عنفية وفاشية الطابع اتخذها ستارمر ضد اللاجئين، ووقعت عريضة تدين ترحيل الفلسطينيين من حي الشيخ جراح في القدس الشرقية.
ومدلولات النجاة هنا لا تقتصر على تخلّص من سياسات ستارمر النيوليبرالية التي أجحفت بحقّ شرائح شعبية واسعة في بريطانيا، جراء سلسلة من «المراجعات» أضرّت بالخدمات العامة والمساعدات الاجتماعية؛ بل، كذلك، لأنّ تلك الخيارات عبّدت أكثر من طريق لمرور تيارات اليمين المتطرف ومجموعات كراهية الآخر ودعاة التفوق العرقي. هذا بمعزل عن دبلوماسية ستارمر حيال حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزّة، وذهابه إلى درجة المصادقة على جرائم حرب إسرائيلية موصوفة مثل قطع الماء والغذاء والدواء عن سكان القطاع.
بهذا المعنى فإنّ كوربن كان على صواب، بمنطق الحدود الدنيا أيضاً، حين اعتبر أنّ «التخلّص من ستارمر غير كافٍ. نحن بحاجة إلى التخلص من السياسة التي يمثلها: جشع الشركات، بلاغة العداء للاجئين، والحرب بلا نهاية». ولأنه أضاع الأغلبية الواسعة التي أحرزها «العمال» في الانتخابات التشريعية صيف 2024، فقد بدد ستارمر أيضاً فُرَص الحزب في «إنهاء فقر الأطفال، وأنماط التشرد، والمستويات العبثية من انعدام المساواة» حسب كوربن؛ وانخرط، بدل ذلك، في «التخلي عن المحتاجين، وتدمير حرياتنا المدنية، وتسهيل الإبادة الجماعية في قطاع غزّة. هكذا سوف يُستذكًر رئيس الحكومة هذا، وذاك هو إرث الإفلاس الأخلاقي والسياسي الذي سوف يخلّفه».
فإذا غادر المرء أحكام ساسة بريطانيا، من «العمل» أو قادته السابقين، فذهب إلى اقتصادي لامع مثل يانيس فاروفاكيس، وزير المال اليوناني الأسبق في حكومة ألكسيس تسيبراس والمستقيل منها؛ فإنّ الحكم على حصيلة ستارمر ليس البتة أقلّ قسوة، خاصة إذْ ينحو صوب تحليل مفاهيم السلطة والتغيير في قلب أحزاب «يسار الوسط» الأوروبية على شاكلة «العمال» البريطاني كما بشّر به توني بلير، وحلم ستارمر باستعادته. هذا رئيس حكومة «لا ينطوي على ذرّة نزاهة، وهو محض تجسيد قاسٍ لفكرة التغيير. إنه رثّ أخلاقياً بسبب اختياره، عن سابق وعي، التنازل عن المبدأ في ممارسة السلطة، ولهذا فإنّ التاريخ سوف يدينه. ونعم، هذه منجاة طيبة أقول بدوري».
على الأرض، ميدانياً بصفة عامة وفي صناديق الاقتراع خلال انتخابات أيار (مايو) الماضي المحلية خاصة، تجسدت معضلة «العمال» على صورة تمزج المأساة بالمهزلة: في أنّ الحزب الذي فاز بـ441 مقعداً قبل سنتين فقط، وألحق هزيمة نكراء بحزب «المحافظين»، يخسر مقاعده لصالح «الخضر» من جهة أولى؛ ويتيح لحزب «إصلاح المملكة المتحدة» اليميني المتطرف، ونظيره حزب «إحياء بريطانيا»، حصد مئات المقاعد، من جهة ثانية؛ وتمكين أحزاب ويلز وسكوتلندا من اختراق مواقع «العمل» وبعض حصونه التاريخية، من جهة ثالثة. خاتمة الأحزان، في حسابات ستارمر، أنّ منافسه على زعامة الحزب أندي برنهام تمكن سريعاً من العودة إلى مقاعد مجلس العموم عبر انتخابات فرعية مبرمجة، بحيث بات التنافس مشروعاً ومقرراً.
بيد أنّ الخلفية الكبرى وراء صعود ستارمر ومحاقه السريع تتجاوز سياساته القاصرة داخلياً، وغير الأخلاقية خارجياً (في الموقف المساند لحرب الإبادة الإسرائيلية ضدّ قطاع غزّة، أو في فضيحة تعيين بيتر ماندلسن سفيراً في الولايات المتحدة رغم فشله في اختبارات المنصب الأمنية وما تكشف لاحقاً من صلات مع فضائح جيفري إبستين…)؛ لأنها إنما تدور حول مآزق «العمال» ذاته، غير الجديدة وغير الطارئة، والمزمنة عموماً. ولا تُنسى حقيقة مركزية تفيد بأنّ ارتقاء ستارمر إلى سدّة قيادة الحزب، وبالتالي رئاسة الحكومة بعد انتخابات 2024 التشريعية، إنما ارتكز على عنصرَيْ استغلال بارزين، بين عناصر أخرى أدنى مرتبة.

منذ نهاية القرن التاسع عشر، حين دعا البابا بيوس الثاني عشر إلى سبيل ثالث بين الاشتراكية والرأسمالية، لم يتوقف المصطلح عن الصعود في الثقافة السياسية الغربية، وكلما اقتضى الأمر هذا أو ذاك من أشكال التصالح أو التحالف أو المساومة

الأول هو أنّ «العمال» كان قد واجه خسارة ساحقة خلال انتخابات أواخر 2019، كانت الأفدح في تاريخه منذ العام 1935؛ كما راكم خسائر في أربع انتخابات تشريعية متعاقبة، أفقدته قواعد كانت أقرب إلى حصون عمالية عريقة لا تُخترق. العنصر الثاني كان الاستغلال، على نحو بلغ من الخبث والتضليل والتلفيق درجات غير مسبوقة، لحكاية انتشار العداء للسامية في صفوف «العمال»، بتشجيع مباشر من كوربن زعيمه آنذاك كما أشاع السيناريو. ما فعله ستارمر هو تغذية المخاوف الناجمة عن العنصرين، والسعي إلى الظهور في إهاب منقذ الحزب، وتصميم حملة داخلية منهجية تشدد على فكرة إحياء «العمال الجديد» كما قادها زعيم الحزب ورئيس الحكومة الأسبق توني بلير.
بعض أجندات الباطن، التي لم تكن مستبطَنة أو خافية في الواقع، كانت تستهدف ترجيح كفّة الجناح اليميني داخل «العمال»، على نحو يعيد إنتاج ما تبقى من تيارات بليرية، وإعادة صياغة مفهوم «العمال الجديد»، الذي أفلس في شتى تطبيقاته المعاصرة، تحت مسمى «القيادة الجديدة». وعبر سلسلة من الخطب، خلال مؤتمرات الحزب، أعرب ستارمر عن «إيمان عميق» بأنّ أغلبية وازنة في الشارع البريطاني تواصل النظر بعين الرضا إلى حزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية وأيديولوجية مكّنت «العمال» من أن يحكموا بريطانيا 12 سنة، للمرّة الأولى منذ 100 سنة. الثابت المقابل، وكان أكثر رسوخاً من استيهامات ستارمر، أنّ تلك الأغلبية لم تكن عمّالية خالصة؛ وضمّت، موضوعياً، شرائح المحافظين والليبراليين الديمقراطيين، بصرف النظر عن حقيقة متغيرات البليرية ذاتها، بين 2005 و2001، أو حتى 1997 و2020!
ولم تكن أقلّ وضوحاً انحيازات ستارمر نحو «السبيل الثالث»، أو خطّ الوسط القديم/ الجديد إياه؛ الذي يفترض «شطارة» الوقوف عند مسافة متساوية بين أقصَيَين في سياسات اجتماعية واقتصادية وخدمية حاسمة، والتوسط بين «يمين» و»يسار» أياً كانت مدلولات المفردة وأختها. ومنذ نهاية القرن التاسع عشر، حين دعا البابا بيوس الثاني عشر إلى سبيل ثالث بين الاشتراكية والرأسمالية، لم يتوقف المصطلح عن الصعود في الثقافة السياسية الغربية، وكلما اقتضى الأمر هذا أو ذاك من أشكال التصالح أو التحالف أو المساومة. ومن هنا فإنّ رهان ستارمر لم يُضف جديداً إلى استعادة الثقة بجثّة «السبيل الثالث» العتيقة، الهامدة على أكثر من نحو.
يبقى أنّ ثمة في صفوف بعض المراقبين مَن يفضّل نظرة أكثر حصافة إلى حقائق الفوز الكاسح الذي أحرزه «العمال» تحت قيادة ستارمر في انتخابات 2024 التشريعية، إذْ تقول المعطيات الإحصائية إنّ الحزب فاز بنسبة 66% من المقاعد البرلمانية، ولكنها أتت من نسبة 33% على صعيد أعداد الناخبين، أو نحو نصف مليون صوت أكثر من العدد الذي بموجبه خسر كوربن انتخابات 2019. في عبارة أخرى، 2 من كلّ 3 بريطانيين صوّتوا ضدّ «العمال» في انتخابات 2024، فإذا لم تكن هذه النسبة مدعاة هشاشة، وقلق على المستقبل، فأيّ المعطيات يمكن أن تؤرق منام الخليفة المنتظَر برنهام، وقيادة «العمال» ما بعد ستارمر؟
ولماذا، استطراداً، لا يصحّ النظر إلى محاق ستارمر بمعزل عن كونه تعبيراً آخر عن تدهور مكانة «العمل» تحديداً، وأحزاب «السبيل الثالث» عموماً؟

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس