نواكشوط – “القدس العربي”: ليست أهمية مشروع القانون الجديد المنظم لوضعية الضباط، أصحاب الرتب العليا، في موريتانيا بما يضيفه من مواد قانونية إلى مدونة المؤسسة العسكرية، بل بما يكشفه من تحولات صامتة داخل بنية النظام السياسي في البلاد.
فعندما تقرر دولة مثل موريتانيا، التي حكمها العسكريون بصورة مباشرة أو غير مباشرة منذ انقلاب 1978، أن تمد واجب التحفظ العسكري إلى ما بعد التقاعد، وأن تضع الجنرالات السابقين تحت نظام احتياط يمتد عملياً إلى نهاية حياتهم المهنية، فإنها لا تعيد تنظيم وضعية إدارية فحسب، بل تعيد تعريف الحدود الفاصلة بين المجال العسكري والمجال السياسي.
لقد اعتاد الموريتانيون خلال العقود الماضية على ظاهرة فريدة تتمثل في انتقال الضباط الكبار من الثكنات إلى المشهد السياسي بسهولة لافتة. فمعظم الرؤساء الذين حكموا البلاد منذ نهاية السبعينيات، قادمون من المؤسسة العسكرية، كما ظلت النخب الأمنية والعسكرية تمثل الخزان الأساسي لإنتاج السلطة وإعادة إنتاجها. ومن هذا المنظور، يبدو مشروع القانون الحالي أقرب إلى إعلان نهاية مرحلة تاريخية كاملة، وليس مجرد تعديل في أوضاع التقاعد والاحتياط.
يصعب فصل توقيت المشروع عن النقاشات المتزايدة حول مرحلة ما بعد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني سنة 2029
فالسلطة لا تكتفي هذه المرة بمنع العسكريين العاملين من النشاط السياسي، وهو أمر معمول به في معظم دول العالم، بل تذهب أبعد من ذلك عبر فرض قيود صارمة على الجنرالات بعد خروجهم من الخدمة، بما يشمل التصريحات الإعلامية، والمشاركة في النقاشات السياسية، والتوقيع على العرائض، وحتى المساهمة في جمع الأموال لأغراض سياسية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا الآن؟ يصعب فصل توقيت المشروع عن النقاشات المتزايدة حول مرحلة ما بعد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني سنة 2029. فالنظام السياسي يقف اليوم أمام استحقاق حساس يتمثل في إدارة أول انتقال رئاسي كامل داخل منظومة الحكم الحالية دون تدخل مباشر من المؤسسة العسكرية أو ظهور منافسين من داخلها.
وخلال السنوات الأخيرة بدأ عدد من كبار الضباط والجنرالات الذين لعبوا أدواراً مؤثرة في العقود الماضية يقتربون من سن التقاعد أو يغادرون مواقعهم التنفيذية، ما يخلق بطبيعة الحال إمكانية تحول بعضهم إلى فاعلين سياسيين يمتلكون خبرة الدولة وشبكات النفوذ والعلاقات الاجتماعية.
قانون استباقي
ويبدو أن القانون الجديد يسعى إلى معالجة هذه الفرضية قبل أن تتحول إلى واقع. فالرسالة الضمنية التي يبعث بها القانون هي أن مغادرة الخدمة العسكرية لم تعد تعني تلقائياً اكتساب حرية العمل السياسي، وأن الرأسمال الرمزي الذي يكتسبه الجنرال خلال مسيرته المهنية لا يمكن تحويله بسهولة إلى مشروع سياسي منافس.
لكن القراءة الأكثر عمقاً تكشف أن السلطة لا تستهدف الأشخاص بقدر ما تستهدف الظاهرة نفسها. فموريتانيا، منذ انتخاب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني عام 2019، تشهد عملية تدريجية لإعادة هندسة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية. وقد ظهرت مؤشرات ذلك في طريقة إدارة الترقيات العليا، وفي ضبط آليات التعيين داخل هرم القيادة العسكرية، وفي تقليص الحضور العلني لبعض الرموز الأمنية السابقة، قبل أن يأتي هذا المشروع ليشكل الحلقة التشريعية الأكثر وضوحاً في هذا المسار.
مرحلة الجيش الضامن
بعبارة أخرى، تحاول الدولة الانتقال من مرحلة كان الجيش فيها منتجاً مباشراً للسلطة السياسية إلى مرحلة يصبح فيها ضامناً لاستقرارها فقط.
غير أن الوجه الآخر للقضية لا يخلو من أسئلة وإشكالات. فالمؤيدون يرون أن القانون يمثل خطوة متقدمة نحو تكريس الدولة المدنية وتحييد المؤسسة العسكرية عن المنافسة السياسية، وهو مطلب ظل مطروحاً منذ عقود من قبل النخب المدنية والحقوقية.
تحاول الدولة الانتقال من مرحلة كان الجيش فيها منتجاً مباشراً للسلطة السياسية إلى مرحلة يصبح فيها ضامناً لاستقرارها فقط
أما المنتقدون فيعتبرون أن النص يذهب بعيداً في تقييد الحقوق السياسية لفئة من المواطنين بمجرد انتمائهم السابق للمؤسسة العسكرية، خصوصاً أن بعض مواده تمتد بأثر رجعي لتشمل ضباطاً غادروا الخدمة منذ سنوات طويلة، الأمر الذي قد يثير نقاشاً دستورياً وقانونياً حول حدود الحق في المشاركة السياسية بعد انتهاء الخدمة العامة؛ وبين هذين المنظورين، يظل البعد السياسي هو الأكثر حضوراً.
مرحلة انتقالية مبكرة
فالقانون لا يهدف فقط إلى حماية أسرار المؤسسة العسكرية أو ضمان حيادها، بل يبدو جزءاً من عملية أوسع لإدارة مرحلة انتقالية مبكرة نحو ما بعد 2029، ولضبط موازين القوة داخل الدولة قبل بدء سباق الخلافة الرئاسية غير المعلن.
ولهذا السبب تحديداً، فإن القيمة الحقيقية لهذا المشروع لا تكمن في مواده المتعلقة بالاحتياط أو التقاعد أو السر المهني، وإنما في كونه أول نص تشريعي موريتاني يحاول رسم خط فاصل طويل الأمد بين الجنرال والسياسي.
إنه قانون يبدو ظاهرياً، إدارياً وعسكرياً، لكنه في جوهره سياسي بامتياز؛ لأنه يطرح سؤالاً ظل معلقاً منذ ما يقرب من نصف قرن: هل تستطيع موريتانيا أخيراً أن تفصل بين النفوذ العسكري والسلطة السياسية، أم إن العلاقة بينهما ستجد دائماً طرقاً جديدة لإعادة إنتاج نفسها مهما تغيرت القوانين؟
اختزال المشروع في اعتبارات الخلافة الرئاسية أو حسابات ما بعد 2029 قد يحجب وجهاً آخر لا يقل أهمية، يتمثل في كونه جزءاً من مسار طويل لبناء الدولة المدنية
السنوات التي تسبق انتخابات 2029 هي التي ستقدم الجواب الحقيقي على هذا السؤال. بناء الدولة المدنية أم هندسة مرحلة ما بعد 2029؟
غير أن اختزال المشروع في اعتبارات الخلافة الرئاسية أو حسابات ما بعد 2029 قد يحجب وجهاً آخر لا يقل أهمية، يتمثل في كونه جزءاً من مسار طويل لبناء الدولة المدنية في موريتانيا.
فالمحامي والخبير القانوني، لوغورمو عبدول، يرى أن مشروعي القانونين الخاصين بالضباط وبقية أفراد القوات المسلحة يشكلان “تحولاً حقيقياً وعميقاً في مسار بناء الدولة الجمهورية”، لأنهما يستهدفان فك الارتباط التاريخي بين المؤسسة العسكرية والمجال السياسي، وتمكين الجيش من التفرغ لمهامه المهنية والأمنية بعيداً عن الصراعات الحزبية.
ويستند هذا الطرح إلى معطى تاريخي يصعب تجاهله؛ فموريتانيا عاشت، منذ انقلاب 1978، تحت تأثير سياسي مباشر أو غير مباشر للمؤسسة العسكرية، وظل معظم الرؤساء الذين تعاقبوا على الحكم قادمين من خلفية عسكرية، باستثناء تجربة الرئيس المدني الراحل سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، والمرحلة الانتقالية التي قادها علي ولد محمد فال.
تغيير القاعدة
ومن هذا المنظور، لا يمثل المشروع مجرد إجراء تنظيمي يخص الضباط المتقاعدين، بل محاولة لتغيير قاعدة غير مكتوبة ظلت تحكم الحياة السياسية الموريتانية لعقود، ومفادها أن المؤسسة العسكرية كانت دائماً أحد أهم طرق الوصول إلى السلطة أو التأثير فيها.
ويذهب لوغورمو إلى أن الديمقراطيات الراسخة تقوم على مبدأ واضح: من يمتلك أدوات القوة والإكراه لا ينبغي أن يكون في الوقت نفسه طرفاً في المنافسة السياسية.
ولذلك، فإن تحييد المؤسسة العسكرية لا يكتمل بمنع العسكريين العاملين من النشاط السياسي فقط، بل يستوجب أيضاً معالجة ما يسميه “المنطقة الرمادية” التي تلي التقاعد مباشرة، حين يظل بعض الضباط محتفظين بشبكات النفوذ والعلاقات والرمزية التي اكتسبوها خلال سنوات الخدمة.
غير أن الخبير القانوني نفسه يلفت الانتباه إلى إشكالية أخرى لا تقل أهمية، وهي أن المشروع بصيغته الحالية قد يبدو متشدداً أكثر من اللازم. فبينما يقر بضرورة وجود فترة فاصلة بين العمل العسكري والعمل السياسي، فإنه يتساءل عما إذا كان من المقبول دستورياً استمرار تقييد الحقوق السياسية للعسكري بصورة شبه دائمة بعد التقاعد.
ولهذا يقترح حلاً وسطاً يتمثل في فرض فترة انتقالية محددة، تمتد لخمس أو عشر سنوات مثلاً، يمنع خلالها الضابط المتقاعد من ممارسة العمل السياسي، قبل أن يستعيد كامل حقوقه المدنية والسياسية كمواطن عادي. وهو تصور يجمع بين هدفين متعارضين ظاهرياً: حماية حياد المؤسسة العسكرية من جهة، وعدم تحويل التقاعد إلى عقوبة سياسية دائمة من جهة أخرى.
يذهب لوغورمو إلى أن الديمقراطيات الراسخة تقوم على مبدأ واضح: من يمتلك أدوات القوة والإكراه لا ينبغي أن يكون في الوقت نفسه طرفاً في المنافسة السياسية
وهنا تكمن المفارقة الحقيقية التي يطرحها القانون الجديد؛ فإذا كان البعض يقرأه باعتباره جزءاً من ترتيبات سياسية استباقية لضبط مرحلة ما بعد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، فإن آخرين يرونه الحلقة الأخيرة في مسار بدأ قبل أكثر من ثلاثة عقود مع إقرار دستور 1991، ويهدف إلى نقل موريتانيا تدريجياً من دولة ظل الجيش فيها منتجاً للسلطة إلى دولة يصبح فيها الجيش مؤسسة وطنية مهنية تخضع للسلطة المدنية المنتخبة وتحميها دون أن تنافسها.
وبين هاتين القراءتين، قد يكون المشروع في الواقع جامعاً بين الأمرين معاً؛ فهو من جهة يستجيب لمطلب تاريخي يتعلق ببناء جيش جمهوري محترف، ومن جهة أخرى يعيد رسم قواعد اللعبة السياسية في مرحلة حساسة تسبق استحقاق 2029.
لعل السؤال الحقيقي الذي يطرحه هذا المشروع لا يتعلق فقط بحق الجنرال المتقاعد في ممارسة السياسة، بل بمستقبل النموذج السياسي الموريتاني نفسه. فبعد ما يقرب من نصف قرن من التداخل بين النفوذ العسكري والسلطة المدنية، تبدو البلاد أمام محاولة غير مسبوقة لإقامة جدار قانوني بين الثكنة وصندوق الاقتراع.
وإذا نجحت هذه المحاولة فستكون موريتانيا قد خطت خطوة كبيرة نحو استكمال بناء الدولة المدنية. أما إذا بقي النفوذ العسكري قادراً على إعادة إنتاج نفسه خارج النصوص القانونية، فسيظل المشروع مجرد فصل جديد في قصة طويلة من التعايش المعقد بين الجيش والسياسة. وفي الحالتين، فإن ما يجري اليوم قد يكون أحد أهم التحولات المؤسسية التي تشهدها البلاد منذ اعتماد دستور 1991.