رغم توقف المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران بعد توقيع مذكرة تفاهم أنهت حربا استمرت أشهرا، فإن معركة من نوع آخر بدأت داخل واشنطن، تتمثل في تقييم حجم الاستنزاف الذي لحق بترسانة الجيش الأمريكي، والبحث عن سبل إعادة بناء مخزونها من الذخائر.
وتسلط تقارير أمريكية الضوء على حجم الذخائر التي استهلكتها الحرب، والعقبات التي تعترض جهود تعويضها، في ظل تحذيرات من أن استعادة مستويات المخزون قد تستغرق سنوات، بما قد يحد من جاهزية الولايات المتحدة للتعامل مع أي صراعات كبرى مستقبلا.
لكن لماذا لن يكون تعويض المخزون الأمريكي المستنزف مهمة سهلة؟ وما هي أبرز التحديات التي يفرضها هذا الاستنزاف على القدرات العسكرية الأمريكية؟

ما هو حجم الاستنزاف؟
تكشف صحيفة نيويورك تايمز أن الحرب على إيران استنزفت ترسانة الجيش الأمريكي، مما أسفر عن انخفاض “مقلق” في مستويات المخزون، وفق تقديرات داخل وزارة الحرب الأمريكية ومسؤولين في الكونغرس.
ويستعرض التقرير أبرز مظاهر هذا الاستنزاف موضحا التالي:
استهلاك نحو 1100 من صواريخ كروز الشبحية بعيدة المدى، التي صُنعت خصيصا لصراع محتمل مع الصين، وهو رقم يقترب من إجمالي ما كان متبقيا في المخزون الأمريكي.
إطلاق أكثر من 1000 صاروخ توماهوك، أي ما يعادل نحو 10 أضعاف الكمية التي يشتريها الجيش الأمريكي سنويا.
استخدام أكثر من 1200 صاروخ اعتراضي من طراز باتريوت، تتجاوز تكلفة الواحد منها 4 ملايين دولار.
إطلاق أكثر من 1000 صاروخ أرضي من طرازي “بريزم” (صاروخ الضربات الدقيقة) و”أتاكمز”.
وفي هذا الصدد، تنقل مجلة فورين بوليسي عن قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر قوله -خلال جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ الشهر الماضي- إن الجيش استخدم ما يقرب من 14 ألف ذخيرة هجومية خلال الحرب.
ويقدّر تقرير حديث لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية أن حجم الاستنزاف الحقيقي قد يكون أكبر من ذلك عند احتساب الذخائر المستخدمة في منظومات الدفاع الجوي، مثل صواريخ باتريوت ومنظومات ثاد، حسبما نقلت المجلة.
لماذا لن يتعافى سريعا؟
وتشير نيويورك تايمز إلى أن جهود تعويض الذخائر المستنزفة تواجه تحديات تمويلية وإنتاجية، رغم دفع إدارة الرئيس دونالد ترمب لتسريع وتيرة تصنيع الأسلحة.
وخلال اجتماعات انعقدت في البيت الأبيض هذا الأسبوع، سعى ترمب وكبار مسؤولي البنتاغون لتبني مسارين لمعالجة النقص: حث شركات الصناعات الدفاعية على تسريع إنتاج منظومات الأسلحة المستنزفة، والضغط على المشرعين للموافقة على توفير تمويل إضافي لتغطية تكاليف الحرب.
لكن طلب ترمب تخصيص 70 مليار دولار لتغطية تكاليف الحرب يُتوقع -كما يوضح التقرير- أن يواجه معارضة قوية داخل الكونغرس.
وفي المقابل، أبلغت شركات الصناعات الدفاعية الرئيس الأمريكي -خلال اجتماع في البيت الأبيض الأربعاء الماضي- بأنها بحاجة إلى أموال إضافية لتمويل التوسع في خطوط الإنتاج، وفقا لمسؤوليْن مطلعين على مجريات الاجتماع.
وتلفت الصحيفة إلى أن الإعلانات المتكررة عن خطط زيادة إنتاج الذخائر لم تترجم حتى الآن إلى توسع فعلي في الطاقة الإنتاجية، بحسب مسؤولين في الصناعات الدفاعية.
ما هي الحلول؟
وفي سياق متصل، تذكر فورين بوليسي أن ترمب فعّل، قبل أيام من الإعلان عن التوصل إلى اتفاق مع إيران، قانون الإنتاج الدفاعي ، بهدف معالجة ما وصفه بـ”القيود الهيكلية” التي تواجه قاعدة الصناعات الدفاعية الخاصة بالذخائر.
ويمنح القانون، الصادر عام 1950، رؤساء الولايات المتحدة سلطة طارئة لتوجيه الشركات الأمريكية للمساعدة في تعزيز الدفاع الوطني.
وتسعى الإدارة الأمريكية أيضا إلى تعزيز القدرات الإنتاجية عبر الاستفادة من مصانع السيارات، إذ أعلن ترمب الاثنين الماضي أن شركات مثل فورد وجنرال موتورز ستخصص بعضا من مصانعها لتصنيع الأسلحة، وفقا للتقرير.
وتضيف المجلة أن الجيش الأمريكي يبحث أيضا عن بدائل أقل تكلفة لتعزيز قدراته الدفاعية، إذ كشف الثلاثاء الماضي عن برنامج جديد لإدخال أنظمة اعتراض منخفضة التكلفة، يقل سعر الصاروخ الواحد منها عن مليون دولار.
ما هي التداعيات؟
وتوضح نيويورك تايمز أن قدرة البنتاغون على إدارة حروب مستقبلية، لا سيما ما يُعرف بحروب القوى الكبرى ضد الصين، قد تُقيد بشكل مباشر بسبب نقص الذخائر، في ظل تقديرات تشير إلى أن معالجة هذا العجز قد تستغرق سنوات.
وتنقل الصحيفة عن تارا مورفي دوغيرتي، الرئيسة التنفيذية لشركة “إير” المتخصصة في البرمجيات الدفاعية، قولها إن الولايات المتحدة تواجه “هوة واسعة وخطيرة بين ما يحتاجه المقاتل في الميدان وما يمكن لمنظومة الأمن القومي توفيره”.
وتوضح دوغيرتي أن هذا الخلل يعود إلى عدة عوامل، من بينها تشتت الأنظمة وآليات المشتريات العسكرية المتقادمة، وهو ما يؤدي إلى تأخيرات طويلة عند إطلاق برامج تسليح جديدة أو صيانة المعدات الموجودة في الخدمة بالفعل.
ويخلص تقرير صادر عن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الشهر الماضي إلى أن الولايات المتحدة تملك ما يكفي من الذخائر لأي سيناريو محتمل في الحرب على إيران، لكن استنزاف المخزون خلق ثغرة في الجاهزية في حالة اندلاع صراع محتمل في غرب المحيط الهادئ، محذرا من أن الوقت اللازم لإعادة بناء هذا المخزون بات مصدر قلق رئيسي.