اخبار

الشر والخير وفضاء الجمال

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
الشر والخير وفضاء الجمال

سؤال مشي معي في حياتي، وهو كيف صار الفنان محمود المليجي محصورا في أدوار الشر، بينما في أفلام أخرى رغم قلتها، حقق وجودا للخير فاق الخيال، ومن ثم كان ميسرا لأدوار الشر والخير معا، وكان يمكن أن ينقسم بينها. وما الذي جعلنا رغم أدوار الشر، نجري وراءه في السينمات. كيف كنا نجلس مبهورين، ومتحدين مع أدائه في متعة فائقة، رغم معرفتنا بالنهاية، ولا نتوقف عن متابعته. طبعا الإجابة على هذا السؤال هي إتقانه لدوره، وليس مهما معنى الدور، فالشر دائما ينهزم، ونادرا ما تجد فيلما فيه الشر ينتصر.
بسبب السؤال الأول، عن لماذا تم حصر محمود المليجي في أدوار الشر، قرأت هذا الكتاب للكاتب والصحافي رشدي الدقن، ابن أخ الفنان توفيق الدقن، العملاق الثاني في تجسيد الشر، والذي كتب عنه سيرته الذاتية بعنوان» توفيق الدقن العبقري المظلوم حيا وميتا»، كما كتب سيرة أحمد الإبياري عاشق المسرح. لقد أمضى الكاتب عامين للكتابة عن توفيق الدقن، ومثلهما لمحمود المليجي. الصداقة بين توفيق الدقن ومحمود المليجي قديمة، بدأت أول مرة في فيلم «أموال اليتامى» عام 1952 وكيف شجعه المليجي. حديث عن تفاصيل ذلك والتشابه بينهما، وتفاصيل رحلة البحث الشاقة لينجز كتابه هذا، الصادر عن دار غايا بعنوان» محمود المليجي.. إمبراطور الشر الطيب صاحب الألف وجه». لكن الكتاب لا يجيب عن سؤالي فقط، بل يعيد إلينا فنانا وعصرا بكل تجلياته.

رحلة ممتعة مع الفنان الذي ظهر في سبعمئة وخمسين فيلما. ميلاده في قرية «مليج» عام 1910 في محافظة شبين الكوم، وكيف انتقلت الأسرة وهو في سن ثلاث سنوات، إلى حي المغربلين في القاهرة. إعجاب المليجي بالملاكمة، التي كان خلفها إعجابه بفتوة امرأة مصرية اسمها «عزيزة الفجلة» وكيف كان يتسلل ليراها تأخذ حق المظلوم في حي المغربلين حتى من الإنكليز، فكانت ملهمته الأولى. حديث عنها وحياتها، وما قاله عنها المليجي من إنها كانت وزير العدل في المنطقة. طموحه الذي لم يتحقق ليكون ملاكما. كيف كان والده حسين المليجي تاجر الخيول محبا للموسيقى والغناء، فانتقل ذلك لمحمود وبدأ يتعلم الموسيقى والغناء. حديث طويل عن تجربته فيها، وفشله فيها في البيت أو المدرسة أو المسرح. كيف كانت المظاهرات حوله ضد الإنكليز، وشارك فيها منذ طفولته، وإصابته بطلق ناري في مظاهرات 1919. بين ذلك كله رحلته مع التمثيل في المدرسة، ولقاؤه بفنانين مثل عزيز عيد وجورج أبيض وفتوح نشاطي، ورأيهم بين التشجيع والرفض، حتى صار رئيسا للفرقة التمثيلية.
كيف ضمته فاطمة رشدي إلى فرقتها وفي فيلم لها هو» الزواج» عام 1932. حياته وما شابها من عَوَز وغير ذلك، والتحاقه بفرقة رمسيس ليوسف وهبي ليقوم بدور الملقن، حتى وفَّر له يوسف وهبي أدوارا صغيرة في مسرحياته. كيف بدأت رحلة الأدوار الشريرة. بدايتها مع فيلم «وداد» لأم كلثوم، وكيف كان نجاحه سببا في اختيار المخرج إبراهيم لاما له في فيلم «قيس وليلى»، ليقوم بدور الشرير» ورد» في فيلم « قبلة في الصحراء» الذي يعد أول فيلم روائي طويل في السينما المصرية، وكان المليجي في السابعة عشرة من عمره.
اتسعت أدوار الشر وظهر في أفلام مثل «غزل البنات» و»أمير الانتقام وغيرها.

رغم ظهوره في أدوار كوميدية وأفلام قام فيها بشخصية البطل الطيب، مثل فيلم «الإيمان» عام 1952 لكن تعود الجمهور على دور الشرير، فصار شرير الشاشة الأكبر، ومن ثم نأتي إلى أهم عوامل تألقه في ذلك. هي نظرات عينيه التي ظهرت في أعظم تجلياتها أمام زكي رستم في فيلم «موعد مع إبليس» الذي قام فيه المليجي بدور الشيطان. كيف كانت فاتن حمامة تواجه صعوبة في التمثيل معه، وهي تنظر إلى عينيه، فاقترحت علي المخرج هنري بركات، أن تنظر إلى أذنه بدلا من عينيه، وجعلها ذلك تعلن أنها لا تحب العمل معه، مما استاء منه المليجي. كذلك فرَّت زبيدة ثروت مذعورة من عينيه، في فيلم «سلوى في مهب الريح»، حتى أقنعها حسين رياض أن هذا تمثيل، وأن المليجي «لو شاف فرخة مدبوحة يُغمى عليه»، بالفعل كان يخشى شكل الفرخة المذبوحة، وحكايات ذلك، فمنظر الدماء يوتر أعصابه، وهي عقدة نفسية قديمة لها حكايتها. كذلك كانت زهرة العلا في بداية حياتها تخشى عيون المليجي وتصاب بالرعب، وساعدها المليجي نفسه في كسر هذا الحاجز.

نأتي إلى نقطة التحول، أو المحطات الأخيرة في مسيرة محمود المليجي، وهو ما سماه المؤلف «بالمرحلة الشاهينية، أي أعماله مع يوسف شاهين، التي بدأت بفيلم «ابن النيل» عام 1951 حتى فيلم «الأرض» عام 1970 وبينهما وبعدهما أفلام مثل «جميلة» عن جميلة أبوحريد المناضلة الجزائرية، و»الناصر صلاح الدين» و»الاختيار» و»العصفور» و»عودة الابن الضال» و»اسكندرية ليه» و»حدوتة مصرية». هي المرحلة التي قال عنها نور الشريف في حديث تلفزيوني، إن يوسف شاهين أجاد العزف على أوتار محمود المليجي بعد ضبطها، ليضمن حصوله على أفضل ابداع ممكن. وقال عنه يوسف شاهين:» محمود أبرع من يؤدي دوره، بتلقائية لم أجدها لدى أي ممثل آخر، كما أنني شخصيا أخاف من نظرات عينيه أمام الكاميرا». هكذا رآه عبقريا بكل المقاييس.

رحلة مع مشاهد صارت علامات في تاريخ السينما في أفلام شاهين، وكيف صار فيلم «الأرض» عام 1970 أيقونة سينمائية فريدة، وتم تصنيفه في المركز الثاني، ضمن قائمة أفضل مئة فيلم مصري، ونال عنه المليجي جائزة التمثيل في مهرجان طشقند السينمائي الدولي. أحاديث كثيرة عن ذلك، ومقارنة بين رواية «الأرض» لعبد الرحمن الشرقاوي والفيلم. دور محمد أبو سويلم، الذي قام به محمود المليجي، والمشهد الأخير الذي لا ينساه أحد. تحليل لبقية أفلامه مع يوسف شاهين، وكيف كان وجهه الجديد في الدراما النفسية المعقدة. حول ذلك وبينه رحلة المليجي مع النساء وزوجته علوية جميل، وكيف كانت السياسة زادا في حياته في أفلام مثل «مصطفي كامل» عام 1950 وقيامه بدور الشقيق الأكبر للزعيم مصطفى كامل، أو فيلم «الله معنا» عام 1952 ودوره كتاجر ثري يتورط في توريد الأسلحة الفاسدة، ويتم القبض عليه. إعجاب عبد الناصر به، وكيف ضمه السادات لعضوية مجلس الشورى عام 1980. كيف كان أيضا كاتبا صحافيا في مجلات مثل «الكواكب»، وكيف انضم للمحفل الماسوني مع غيره من الفنانين. حديث عن هذا المحفل، وكيف كان جاذبا للكثير من الفنانين، وكيف أهمل المليجي الحديث عن ذلك في حياته.

تأتي صفحات من مذكراته الشخصية، وكيف كتب للسينما أفلاما مثل «المغامر» عام 1948، و»وعد» عام 1954، وكيف شارك في كتابة أفلام أخرى. رحلته مع الإنتاج وكيف فشل فيها وأمثلة عليها. ما قالوه عنه في حياته، وبعد وفاته. علاقته الرائعة بشخصيات مثل توفيق الدقن، التي دائما تحتل مساحة كبيرة، ثم هند رستم التي اعتبرته مدرسة في فن التمثيل، أو رشدي أباظة الذي اعتبره أفضل من أي ممثل عالمي، وكيف كان يبكي وهو يشاهد أفلامه، كما قال في حوار إذاعي مع آمال العمدة، كلمة المليجي عنه بعد موته أيضا في حديثه مع آمال العمدة «رشدي انت بعيد عني دلوقت إنما اعتقد أنك سامعني. أنا مفتقدك.. وحشتني أوي»، ثم انهمر في البكاء. كثير من كلام الفنانين مثل فريد شوقي وحش الشاشة وعزت العلايلي والمخرج حسين حلمي المهندس وغيرهم. مقتطفات مما قاله هو عن نفسه وحوار كامل بينه وبين آمال العمدة، عن السينما اليوم وأمس وغيرها. تنتهي مع رحلة عظيمة إلى جوار تفسير اختياره لأدوار الشر، ليأتي فاصل بتصنيف أعماله بين المسرح والسينما والتلفزيون، والتكريمات والجوائز التي حصل عليها، ثم ملحق جميل بالصور. متعة فائقة تستعيد بها فنانا عظيما، وعصرا كبيرا بكل تجلياته.

كاتب مصري