اخبار

ورعاء لكنهم أضرّ من الجبن العتيق

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
ورعاء لكنهم أضرّ من الجبن العتيق

يستسهل كثيرون التفتيش في الكتب الدينية لليهود للعثور على تفسير ما للعنف الإسرائيلي الماثل أمامنا في كل يوم بكل نازيته وفاشيته، أَكان ذلك في غزّة أم في لبنان الجنوبي أم في الضفة الغربية. لكن هذا التفتيش، المسلّي أحياناً، لا طائل منه ولا تنجم عنه خلاصات علمية، لأن العنف، والدعوة إلى القتل واجتثاث الخصوم وإبادة الأعداء، موجود في الكتب المقدّسة جميعها باستثناء المسيحية. وتفسير التاريخ والسلوك البشري لا يستقيم بالعودة إلى النصوص الدينية وحدها؛ فالجماعات البشرية ومصالحها وصراعها على الثروة والأرض والمياه، وتنافسها على السيطرة والسؤدد، هي التي تفسر العنف ومظاهره. والنصوص الدينية لا يمكنها تفسير العنف ألبتة؛ لأنّ للعنف أسباباً مادية واقتصادية مترابطة ومتداخلة تدفع البشر إلى الحروب والعنف. والعنف لدى الإسرائيليين لا يمكن تفسيره بالنصوص الدينية اليهودية، وهو غير كامن في كتابهم المقدس وحده، بل بالمشروع السياسي للصهيونية التي تمكنت من تأسيس دولة استيطانية إحلالية فاشية مرهوبة ومرعوبة معاً. والتفتيش في الكتب الدينية، كالعهد القديم مثلاً، وإسقاط الحكايات والروايات والخرافات الواردة فيه على التاريخ، يجعل التاريخ خرافيّاً بدوره.

القرارات السياسية الحاسمة تُتخذ بناء على الوقائع المادية الماثلة أمام أعيننا، لا الجاثمة في رؤوسنا. وهي لا تُتخذ، في أي حال، بناء على العقيدة الدينية أو الأفكار الأيديولوجية أو التصوّرات الإيمانية ذات المضامين المقدسة. مهمة الفقهاء والمنظّرين هي تسويغ تلك القرارات أمام الشعب والعوام، وإجراء المطابقة بين القرار السياسي والنصوص الدينية كالفتاوى القديمة والروايات المقدّسة، وإضفاء الذرائع الدينية على القرارات التي من الممكن أن يختلف الناس عليها ويشتجروا بسببها. وما يقوم به الفقهاء ورجال الدين والمنظّرون المحترفون مسألة في غاية الأهمية لاكتساب رضا الناس وإقناعهم بصواب ما يقرره رؤساؤهم، ولإراحة الضمير أمام العنف النازل بالآخرين. وبهذا المعنى، لا يمكن تفسير التاريخ، والحاضر أيضاً، بالعقائد والأفكار، بل من الممكن تفسير الأفكار والعقائد بوقائع التاريخ وتحولاته، وارتباط تلك الوقائع بالمصالح المباشرة أو بسياسات الهيمنة.

II

السؤال الآن: هل يضع اليمين الإسرائيلي الحاكم اليوم على طاولة مجلس الوزراء التناخ والتلمود والزوهر والهاغاداه، ولا يتخذ قراراته الأمنية والاستراتيجية إلا بعد الرجوع إلى تلك الكتب المقدّسة؟ وهل كان ستالين وخروشوف وبريجينيف يتخذون قرارتهم في عصر الحرب الباردة بعد مراجعة نصوص ماركس وأنغلز ولينين، والتأكّد من عدم انحرافهم عن تعاليم بطاركة الشيوعية؟ وهل يراجع المرشد الأعلى في إيران “نهج البلاغة” وروايات الأئمة قبل اتخاذ قراراته؟ وهل لا يتخذ ملك السعودية أو أمير أفغانستان قراراتهما إلا بعد مراجعة كتب التفسير والأحاديث الصحاح لدى البخاري؟ وهل كان ملك فرنسا أو إمبراطور روما وبيزنطة يتخذان القرارات بعد مراجعة الأناجيل وشروحات الباباوات؟ بالتأكيد لا.

لا تتضمن الأناجيل أي دعوة إلى العنف أو الإبادة، ومع ذلك أبادت جماعات من المسيحيين، في حقبة ما بعد اكتشاف أميركا، السكان الأصليين في العالم الجديد

لا تتضمن الأناجيل أي دعوة إلى العنف أو الإبادة، ومع ذلك أبادت جماعات من المسيحيين، في حقبة ما بعد اكتشاف أميركا، السكان الأصليين في العالم الجديد (أميركا وأستراليا ونيوزيلاندا)، وهندسوا نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وجعلوا العبودية نظاماً أخلاقيّاً في الولايات المتحدة. وتحفل النصوص الإسلامية بالعنف والدعوة إلى قتل المشركين، لكن المسلمين الأوائل حين احتلوا العراق وفارس والشام ومصر لم يبيدوا السكان، بل تركوهم على حالهم بشرط دفع الجزية وهم صاغرون. واليهود، مثل أي مجموعة دينية، ينقسمون إلى مؤيدين للعنف في سبيل أهدافهم ومعادين للعنف الذين يتوسلون العمل السلمي للوصول إلى غاياتهم. ويتضمن العهد القديم تناقضات كثيرة؛ لأنه تراكم حكائي استُمدت نصوصه من مصادر شتى، وصاغه، في فترات مختلفة، كهان وكتبة كثيرون. ومن الطبيعي أن تتضمّن الشرائع اليهودية تناقضات بدورها؛ فبعضها يجنح إلى العنف وكراهية الآخر والعنصرية، وبعضها يميل إلى مراعاة الآخر وحتى احترامه. ومن باب المفارقات يميل التقليد اليهودي القديم إلى عدم العنف في معظم الأحيان، مع أن التوراة تمتلئ بالعنف وتحفل أسفارها به. فالتقليد اليهودي يعيد تدمير الهيكل الأول والسبي البابلي إلى الانتهاكات التي مارسها اليهود بحق اليهود، وإلى العبادات الوثنية، وإلى جرائم القتل التي ارتكبوها. وعلى المنوال نفسه، يعيد التقليد اليهودي سبب تدمير الرومان أورشليم إلى نزعة التمرّد لدى بعض اليهود الذين ثاروا على الرومان أمثال الغيورين Zelots. وكان التقليد اليهودي يفضل دائماً، خصوصاً في حقبة المنفى، التسويات مع الخصوم على القتال، ويفضل حتى الهجرة على المواجهة. لكن، في العصر الحديث الذي صعدت فيه الصهيونية ومشروعها السياسي القاضي بإقامة دولة لليهود في فلسطين، صار كلام الحاخامين خافتاً. لنتذكر في هذا الميدان موقف الحاخام يوحنان بن زكاي الذي طلب من الرومان الذين كانوا يحاصرون أورشليم أن يأذنوا له بالانصراف إلى مدرسة يفنه والاستغراق في تعليم التوراة. أَليس هو الموقف نفسه الذي اتخذه جد النبي عبد المطلب في مواجهة أبرهة الحبشي، حين أراد احتلال مكة وهدم الكعبة؟ آنذاك طلب منه عبد المطلب أن يرد عليه بعيره فحسب، ثم انصرف قائلاً: “للبيت ربٌّ يحميه”. وكذلك نستعيد موقف يهوذا الناسي (135- 219 ميلادي) الذي جمع المشنا، وربطته صداقة قوية بالإمبراطور أنطونيوس بيوس (86-161 ميلادي)، الأمر الذي جعله ينثني إلى الاعتزال في صفورية (تسيبوري القديمة) معترضاً على التمرّدات اليهودية. وفي هذا المقام، يقول الحاخام الإيطالي عوفاديا سيغورنو (1470- 1550): لو أن الغيورين Zelots أصغوا إلى الحاخام يوحنان بن زكاي، ولم يثوروا على الرومان، لبقي هيكل أورشليم قائماً في مكانه.

III

المشهور لدى الباحثين والدارسين أن أقدم جماعة إرهابية يهودية هي “الغيورون” أو “الورعاء”، وهؤلاء ظهروا في القرن الأول الميلادي، ولجأوا إلى العنف المفرط ضد اليهود الذين حادوا عن الشريعة، وضد السلطة الرومانية وممثليها من جباة الضرائب. وقد أسّس هذه الجماعة مثقف يدعى يهوذا الجليلي احتجاجاً على تجريد اليهود من امتيازاتهم التي منحها إياهم هيرودوس، وراح يدعو اليهود إلى عدم دفع الضرائب للرومان، فقتله الرومان. واستمر أبناؤه في تمرّدهم، فصُلب اثنان منهم، فيما زعم الثالث، واسمه ميناحيم، أنه مخلّص اليهود. غير أن ميناحيم الجليلي هذا لم يلبث أن انشق على الجماعة التي أسسها والده، أي Zelots، وشكل جماعة جديدة اتخذت الاغتيال بالخنجر وسيلة للانتقام من أعدائهم. وسُمّي أعضاء الجماعة الجديدة “المخنجرون” أو “سيكاري” المشتقة من كلمة “سيكا” اللاتينية التي تعني الخنجر (أو السيخ)، ومنها كلمة سكاريوس أي حامل الخنجر. وتحول المخنجرون إلى عصابات في أثناء التمرّد على الرومان في سنة 66 ميلادية، وكانوا يعتمدون على إخضاع الفلاحين في الحصول على الطعام.

رفض أليعازر بن حنانيا من القدس مسلك العنف والاغتيال الذي يمارسه الجليلي، ولا سيّما بعد أن أحرقوا منزل الكاهن الأكبر حنانيا وقصر أغريبا الثاني ومنزل أخته بيرنيكي عشيقة تيتوس وأشعلوا النار في سجلات الديون، فعمد أنصار أليعازر بن حنانيا إلى مواجهتهم بالقوة، فقُتل ميناحيم الجليلي، وهرب المخنجرون إلى حصن مسادا في عام 73 ميلادي. ومن بين أبرز التمرّدات اليهودية ضد الرومان تمرّد قاطع الطرق حزقيا الذي أعدمه هيرودوس في مكان ما من الجليل الشمالي. وباراباس الذي كان سيصلب مع يسوع المسيح، وهو كان قاطع طريق. ومن المتمرّدين بعد صلب المسيح ثولومايوس (44 بعد الميلاد) وثيوداس الذي قُطع رأسه وأُعدم أتباعه عند ضفاف نهر الأردن. وفي 52 ميلادي أعلن أليعازر بن دينايوس الثورة على الرومان، فقبض الرومان عليه وأُرسل إلى روما حيث شُنق وصُلب أتباعه. وآخر قاطع طريق يهودي متمرد هو شمعون بن غيورا الذي شنقه تيتوس في احتفالات النصر عام 71 ميلادي بعد تدمير الهيكل في عام 70. أما آخر تمرّد فقد وقع في 132 ميلادي، وقاده باركوخبا (إبن الكوكب) وصُرع في أثنائه. ويرى مؤرّخون أن يسوع المسيح نفسه بدأ التمرّد في العام 28 بعد الميلاد، وقاد حملة ضد الهيكل في أورشليم في 33 بعد الميلاد، وانتهى التمرّد بصلبه بتحريض من اليهود.

في كل إنسان وحش كامن، مربوط، ملجوم، مخدّر. وفي كل جماعة وحوش لكنها مروّضة، وما يلجم تلك الوحوش القانون وسلطات إنفاذه

في خضم تلك التمرّدات وغيرها نشأت خرافات جمّة عن بطولات اليهود منها خرافة شمشون ودليلة (تدمير المعبد على نفسه وعلى الآخرين)، وخرافة الانتحار في حصن مسادا وعدم الاستسلام أمام الرومان. لكن قلعتَي هيروديوم ومكايروس استسلمتا للرومان من دون قتال. والقوات الإسرائيلية استسلمت في خط بارليف خلف قناة السويس في 1973 بسهولة، ورفع جنود حامية جبل الشيخ الإسرائيليون أياديهم إلى الأعلى فور نزول المظليين السوريين على مرصد جبل الشيخ في حرب 1973. وإذا كان شعار الجيش الإسرائيلي النازي “مسادا لن تسقط ثانية”، فإنّ لسان حال إسرائيليين كثيرين اليوم، وإن بصيغة النكتة، يردد: على آخر إسرائيلي قبل أن يصبح في داخل الطائرة أن يطفئ الأنوار. واندثر الكلام على الصمود والقتال حتى الموت.

IV

كان قادة التمرّدات اليهودية يؤكّدون للناس أنهم مخلّصون جاءوا لإنقاذ اليهود من ظلم الرومان، وإعادة بناء مملكة داود وسليمان، وهي مملكة خرافية من بابها إلى محرابها. وهذا ما زعمته الحركة الصهيونية في القرن التاسع عشر. ولا يختلف الأمر كثيراً عن الخوارج في التاريخ الإسلامي، ولا سيّما فرقة الأزارقة. وهؤلاء كانوا أتقياء جدّاً، غير أن أعمالهم كانت جرائم خالصة. والبيوريتان أيضاً كانوا ورعاء ومؤمنين، لكنهم ساهموا في إبادة سكان أميركا الأصليين، واستعملوا البارود بدلاً من البخور لِـ “هداية الآخرين”. وهؤلاء مثل الدواعش وزعرانهم الذين تقاطروا من بلاد الإيغور والأوزبك والطاجيك والشيشان، وزعموا إنهم قاوموا حاكم الشام جرّاء الظلم والاضطهاد، مع أنهم عاشوا في أقاصي الأرض ولم يشاهدوا أي ظلم أو اضطهاد. وثمة تشابه مدهش بين مئير إيتنغر، حفيد الحاخام العنصري مئير كهانا، وأبو بكر البغدادي؛ فإيتنغر يدعو إلى اسقاط النظام الإسرائيلي بالعنف لإقامة دولة بحسب شريعة اليهود. أَليس هذا ما كان يريده البغدادي ومشتقاته البشرية العجيبة؟ أي اسقاط النظم العربية لإقامة دولة الشريعة على منهاج النبوة. وهناك كتاب عنوانه “شريعة الملك” كتبه الحاخام يتسحاق شابيرا ونشره في 2009، وفيه إباحة قتل الأطفال الرضع من غير اليهود. وثمة كتاب آخر مماثل عنوانه “مملكة الشر” لموشي أورباخ. والكتابان يتطابقان في مواضع كثيرة مع “إدارة التوحش” للداعشي أبو بكر ناجي، وهو والكتاب نشرته دار التمرد في سورية للعلم والاطلاع.

في كل إنسان وحش كامن، مربوط، ملجوم، مخدّر. وفي كل جماعة وحوش لكنها مروّضة. وما يلجم تلك الوحوش القانون وسلطات إنفاذه، علاوة على التحضر المتأتي من التربية والتعليم والثقافة والفنون، وهي عناصر لا غنى عنها في الترقي الاجتماعي والسمو الفردي. ولكن، إذا أُتيح لتلك الوحوش أن تفلت من أرسانها، لأي سبب، ولا سيّما في أثناء الحروب الأهلية، أو في حال الخوف من الجماعات المعادية، سينفلت التوحش ويدوس كل قانون أو عرف أو مبدأ، ويستبيح كل شيء قتلاً وتدميراً. ومع أن التوحش انحسر موقتاً في لبنان وسورية العراق (كان لبنان افتتح الموسم في 1975)، فإنّ مواقع التواصل الاجتماعي ذات الأهمية القصوى في تشكيل وعي العوام، تخلق اليوم في لبنان وسورية وحوشاً من طراز جديد. وهؤلاء لا يتورّعون عن التهديد بالقتل، ويتقنون، فضلاً عن هذا، فنون الإغارة وإرهاب الناس بالصخب الكلامي المبتذل، مع أن الواحد منهم لا يحتاج غير صفعة على رقبته كي يربخ كالصوص تحت أمه الدجاجة. وهو ما يذكرني بقصة الرعديد أبو حية النميري، وهاكم هي: كان لدى أبو حية النميري سيف يسميه “لُعاب المنية”، وهذا السيف ما كان في إمكانه أن يقطع الخبز أو حتى قطعة من الجبن. وفي إحدى الليالي سمع أبو حية جلبة في بيته، فاعتقد أن لصّاً قد تسلل إلى البيت. فقام وانتضى سيفه، وراح يخاطب اللص بصوت عالٍ ليرهبه، ويغطي بصوته على خوفه، فقال: “أيها المغترّ بنا والمجترئ علينا، أُخرج بالعافية قبل أن أدخل عليك بالعقوبة. والله لتخرجنّ وإلا دلفتُ عليك بلُعاب المنية الذي إن هززتُه طارت منه شظايا الموت”. وعندما لم يخرج “اللص” اضطر أبو حية إلى فتح الباب رويداً رويداً، وهو يرتعد، فإذا بكلب صغير يخرج من ظلام الغرفة. حينذاك تنفس أبو حية الصعداء، ونظر إلى الكلب وقال: “الحمد لله الذي مسخك كلباً وكفاني حرباً”. والمغزى مفهوم، وفهمكم كفاية.