خلال مباراة جمعت إنجلترا وكرواتيا وانتهت لصالح الإنجليز بأربعة أهداف لاثنين، برز مشهد غير معتاد؛ فحكم المباراة فرنسي، ومدرب إنجلترا ألماني، ومن بين 22 لاعبا شاركوا في اللقاء، لم يسبق سوى لاثنين منهم فقط اللعب في الدوري الإسباني. ورغم هذه الخلفيات التي لا تمت للغة الإسبانية بصلة، ارتفعت صيحة “فاموس” (Vamos) من أرض الملعب.
أطلق هذه صيحة اللاعب الإنجليزي نوني مادويكي بعد مراوغته للمدافع يوسكو غفارديول وتسديده كرة عرضية ارتطمت بقدم ماريو بازاليتش، حيث اتجه مادويكي نحو الجماهير الإنجليزية مطالبا إياهم برفع مستوى التشجيع. بدا هذا التصرف مفاجئا لمراقبين، نظرا لنشأة مادويكي في لندن وقضائه سنوات مسيرته بين الأندية الإنجليزية ونادي “آيندهوفن” الهولندي.
تأثير التنوع الثقافي في غرف الملابس
يعزو خبراء هذا السلوك إلى تداخل الثقافات في غرف تبديل الملابس؛ إذ يشارك اللاعبون زملاء ومدربين من خلفيات لغوية متنوعة. ويعد جود بيلينغهام، لاعب وسط منتخب إنجلترا ونجم ريال مدريد منذ عام 2023، مثالا حيا على ذلك؛ ففي مقابلة مع شبكة “آي تي في” (ITV)، أوضح بيلينغهام أنه يستخدم “فاموس” في إسبانيا للتواصل مع زملائه، لكنه أحيانا يستخدمها لا إراديا أثناء مشاركته مع المنتخب الإنجليزي، مما يثير استغراب زملائه.
تحليل لغوي لنشأة الظاهرة
أوضح الدكتور تكسوس مارتن، المحاضر في علم اللغة بجامعة كامبريدج، في تقرير نشرته صحيفة “ذا أتلتيك” (The Athletic) أن صعود هذه الكلمة يعود إلى هيمنة الدوري الإسباني ونجوم مثل ليونيل ميسي. ويشير مارتن إلى أن كرة القدم الحديثة اكتسبت ما يشبه “اللكنة الإسبانية” نتيجة تأثير اللاعبين والمدربين من إسبانيا وأمريكا اللاتينية.

وأضاف مارتن أن حقبة التنافس بين “تيكي تاكا” بيب غوارديولا و”غالاكتيكوس” جوزيه مورينيو، وتألق ميسي ورونالدو، أسهمت في إدخال مفردات إسبانية إلى القاموس الكروي العالمي. ومثلما أصبحت الإيطالية لغة الموسيقى الكلاسيكية والفرنسية لغة الطهي، تحولت الإسبانية إلى لغة كرة القدم، متأثرة بأساليب التعليق الإذاعي الحماسي في أمريكا اللاتينية ومصطلحات مثل “جولازو” (Golazo) أو “هدف”.
نادال.. “نقطة الصفر”
من جانبه، يؤكد الكاتب في “ذا أتلتيك” تشارلي إيكليشير أن أسطورة التنس رافائيل نادال هو المسؤول الأول عن شيوع هذه الصيحة. فبين عامي 2005 و2022، اقترن اسم نادال -الذي تصدر التصنيف العالمي لإجمالي 4 سنوات- بصيحة “فاموس” التي كان يطلقها بعد كل نقطة حاسمة.

هذا التقليد انتقل من ملاعب التنس إلى كرة القدم، إذ بدأ رياضيون آخرون بتبني الكلمة. وأشار إيكليشير إلى أن نادال كان “النقطة صفر” في هذه الظاهرة، موضحا أن تأثيره تجاوز حدود التنس لدرجة أن كلمة “فاموس” باتت تنافس العبارة الإنجليزية التقليدية “Come on”.
لماذا تنجح “فاموس” صوتيا؟
يوضح الدكتور مارتن أن “فاموس” تمتلك خصائص صوتية تجعلها مثالية للتشجيع؛ فهي كلمة “سونورية” (ذات رنين عالٍ) يسهل إطلاقها، ويمكن إطالة حروف العلة فيها لتتناسب مع هتافات الجماهير، على غرار كلمة “Marchons” في النشيد الوطني الفرنسي.
ومن الناحية التقنية تمتاز الكلمة “بطابع إيقاعي” يعطي دفعة من الطاقة عند نطقها. أما دلالتها، فقد تطورت من معناها الحرفي (هيا نذهب) لتصبح تعبيرا عن الطاقة الجماعية و”المشاركة”، حيث لا تُوجه لشخص محدد، بل تخلق رابطا بين اللاعب والجمهور.
ويختتم مارتن تحليله بالتأكيد على أن “فاموس” أصبحت جزءا من القاموس الدولي لكرة القدم، ليس فقط بسبب معناها، بل بفضل مزيج من العوامل التاريخية والصوتية والثقافية التي جعلت الجماهير تدرك سياقها وتستخدمها بدقة دون الحاجة لإتقان اللغة الإسبانية.