اخبار

“وإذا وَعَيْتُم فانْتَفِعوا!”

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
“وإذا وَعَيْتُم فانْتَفِعوا!”

ذاتَ يومٍ لن يكونَ بُدٌّ من إنشاءِ متحفٍ للمعاهداتِ والاتّفاقاتِ والقراراتِ والإعلاناتِ التي خَبِرَها هذا المَشْرِقُ بعْدَ حربِ العامِ 1967… آخرُ القائمةِ الاتّفاقُ الأميركيُّ الإيرانيُّ الذي بدَأَ يتَرنَّح منذِراً، لا بالسقوطِ، على الأرجحِ، بل بالتعَثُّرِ المُتَمادي… واتّفاقُ غزّة الذي يُراوِحُ مخلّفاً القِطاعَ بأسرِهِ للتعفُّنِ في فجيعتِهِ وفلسطينَ، من خَلْفِهِ، لمزيدٍ من التآكلِ والنَهْب…

هذانِ اتّفاقانِ صحِبَ إعلانَهما من الصَخَبِ والبَهرجةِ ما لم يصحَبْ اتّفاقَ واشنطن اليومَ وكانَ لهُما، وما يَزالُ، من مقوّماتِ النَفاذِ والدواعي إلى الإنفاذِ ما ليس لهذا الاتّفاقِ عُشْرُ مِعْشارِه.

سَلَفاً نأى طرفا القِتالِ بنَفْسيهِما عن نَصٍّ وضعَ أحدُهما توقيعَه عليهِ تَوّاً. فَواحدٌ اسْتَبْعدَ الالتِزامَ بأَوْجَهِ ما يقعُ عليهِ من موجِباتِهِ، أي بالجَلاءِ عن الأرضِ التي احتَلَّها وأخلاها من بَشَرِها وحجَرِها، والآخَرُ قَطَعَ للمرّةِ المائةِ برفْضِهِ ما أوجَبَهُ عليهِ الاتّفاقُ وراحَ يلوِّحُ بِما لا يقلُّ عن حربٍ أهلِيّةٍ إذا صَمَّمَ من يَزْعُمُ التَمَكُّنَ من إلزامِهِ على المِضِيِّ قُدُماً في مَسْعاه.

والحالةُ هذه، سيكونُ الرئيسُ الأميركيُّ قد أضافَ واحدةً أخرى إلى أعاجيبِ تبديدِ النزاعاتِ التي طالت لائحتُه منها. وهي أعاجيبُ جلُّها مفروضٌ فَرْضاً لا يُعالَجُ فيها النِزاعُ بل تُكْتَمُ أنفاسُهُ بلا تسليمٍ من الضالعين فيه. فيَؤولُ الأمرُ، في الغالبِ، إلى تَقَيُّحِهِ وتعَفُّنِهِ، على ما هو جَلِيٌّ في المِثالِ الغَزّي.
 

لا يستقيمُ الظنُّ، إذن، أنّ هذا النوعَ من السعيِ الأميركيّ لا يَتْرُكُ أثَراً. ولكن لا يسهُلُ التنبُّؤُ، في كلّ حالةٍ، بِما هو هذا الأثرُ، وإن يَكُنْ، على الأَعَمِّ، غيرَ ما يَزْعُمُهُ النَصّ.
 

في حالتِنا، لا يُزْدَرى أيُّ مَخْرَجٍ يَلوحُ من السِكّةِ العريضةِ المفتوحةِ للمَوتِ والخسارة. لكنّ ما يَتَراءى في نَصِّ الاتّفاقِ المُعًلَنِ من هذا القَبيلِ يَبْدو مبدَئيّاً أو مباشِراً، يَفْتَقِرُ إلى ما يكفَلُ ديمومَتَه أو إفضاءَه إلى محطّةٍ أو محطّاتٍ أخرى تَكونُ أضْمَنَ للمَصْلَحة. 
 

بل إنّ الانتِكاسَ نَحْوَ المَزيدِ من الخَرابِ هو ما يُرَجِّحُه التعَفُّنُ المُتَأتّي من تَعَذُّرِ التطبيقِ، ولَو بَعْدَ حين. إلى ذلك، لا تجوزُ الاسْتِهانةُ باحتِمالِ انطواءِ المَخاضِ المُقْبِلِ على دخولٍ صَريحٍ لبُعْدِ النِزاعِ الأهليِّ بينَ مُقَوّماتِه: لا لأنَّ الجهةَ اللبنانيّةَ المقاتلةَ لَوَّحَت بهذا الاحتِمالِ وحَسْبُ، بل، قَبْلَ ذلكَ، لأنَّ هذا الاحتِمالَ ماثِلٌ أصْلاً في صُلْبِ الحَبْكةِ كُلِّها من أوّلِ يومٍ من أيّامِ “الإسْنادِ”، في التَقْديرِ الأقْرَبِ، وقَبْلَ ذلك بكثيرٍ، في مواريثِ حربِنا الأهليّةِ الماضيةِ وما أَفْضى إليها…

…”وإذا وَعَيْتُم فانْتَفِعوا!” (قُسّ بن ساعدة)