اخبار

تحقيقات استقصائية تميط اللثام عن ثروات وشركات عابرة للقارات لأمراء المخزن وميليارديرات المغرب في لوكسمبورغ

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
تحقيقات استقصائية تميط اللثام عن ثروات وشركات عابرة للقارات لأمراء المخزن وميليارديرات المغرب في لوكسمبورغ

في فضيحة مالية من العيار الثقيل تُسلط الضوء على آليات تهريب وإدارة الثروات خارج دورة الاقتصاد المغربي، تمكنت منصة “هوامش ميديا” —في إطار المشروع الاستقصائي الدولي العابر للحدود “أوبن لوكس” (OpenLux) بالتنسيق مع مؤسسة OCCRP وصحيفة Le Monde الفرنسية— من إماطة اللثام عن شبكة معقدة من الشركات والأصول المالية السرية المسجلة في الملاذ الضريبي لوكسمبورغ تعود ملكيتها لأمراء، وميليارديرات، ورجال أعمال مغاربة بارزين.

ويكشف التحقيق، المستند إلى وثائق مالية رسمية وسجلات الشركات اللوكسمبورغية الممتدة حتى ميزانيات سنة 2025 و2024، عن هياكل تمويل غامضة، وحسابات بنكية صفرية لشركات تدير الملايين، وعجز مالي تقني يثير تساؤلات حادة حول الحوكمة المالية والغرض الاقتصادي الفعلي من هذه الكيانات الورقية.

طيف الأمير: شركات مدير ديوان مولاي رشيد والقفزات المليونية

يأتي على رأس الملفات التي كشفها التحقيق اسم مهدي الجواهري، مدير ديوان الأمير مولاي رشيد (الشقيق الأصغر للملك محمد السادس)، ونجل عبد اللطيف الجواهري والي بنك المغرب. ويظهر الجواهري الابن كمالك رئيسي لشركتين متداخلتين تشتركان في الأسماء:

الهيمنة والتسيير الإداري: تأسست الشركة الأولى عام 2020 تحت اسم BELERE S.A برقم إداري (RCS B240862)، بينما تأسست الثانية في فبراير 2022 تحت اسم BELERE International Investments (Luxembourg) SCS برقم إداري (RCS B264704). وتكشف الوثائق أن الكيان الأول يشغل صفة الشريك والمدير الوحيد والمهيمن للكيان الثاني.

تقلبات مالية مريبة: سجلت ميزانية شركة Belere S.A قفزة فلكية غير مسبوقة؛ إذ تضاعفت أصولها بأكثر من ألف مرة في ظرف سنة واحدة، مرتفعة من 24,323 يورو فقط سنة 2020 إلى 29,478,987 يورو في 31 ديسمبر 2021 (موزعة بين 18.1 مليون يورو مستحقات، و6.7 مليون استثمارات، و4.6 ميزانية بنكية)، قبل أن تنخفض الأصول بشكل مفاجئ عام 2022 إلى 6,471,941 يورو وتختفي الاستثمارات وتتحول إلى “صفر”.

العجز المالي والإنذار القانوني: راكمت الشركة ديوناً ضخمة فاقت أموالها الفعلية، مما جعل حقوق الملكية تقع في عتبة سالبة بلغت ناقص 1,665,037 يورو بحلول ديسمبر 2024. هذا العجز التقني دفع بشركة الافتخاص والتدقيق GK Contrôle S.A إلى إطلاق تحذير قانوني رسمي في يوليو 2025 كون أصول الشركة نزلت دون ربع رأسمالها، مما يوجب حلها قانوناً وفق المادة 480-2 من قانون الشركات اللوكسمبورغي.

شبهة تضارب المصالح: تشترك شركة الجواهري Belere S.A مع شركة الافتحاص والتدقيق التي راجعت حساباتها وحذرتها GK Contrôle S.A في نفس المقر القانوني الكائن بالعنوان (12C, rue Guillaume Kroll, L-1882 Luxembourg)، وهو ما يضع شروط الاستقلالية التي يفرضها قانون مهنة التدقيق المالي اللوكسمبورغي لعام 2016 على المحك.

أمراء خارج الحدود: شركات بلا أرقام معاملات وأرصدة صفرية

يمتد أرخبيل “أوبن لوكس” المالي ليشمل أسماء أمراء بارزين في العائلة الحاكمة أداروا استثمارات عقارية وتمويلية غامضة:

مولاي إدريس الفيلالي (نجل الأميرة لالة مريم): يمتلك منذ عام 2009 شركة LOUPUS MAGNUS SA. وتظهر الحسابات وضعاً استثنائياً يتمثل في غياب أي رقم معاملات طيلة سنوات النشاط، رغم اتساع صلاحياتها الاستثمارية، مع اعتمادها الكامل على قروض المساهمين التي بلغت 692 ألف يورو سنة 2024، مما يجعلها أقرب إلى “بنية مالية غامضة” أو “شركة فارغة” تُبقى حية على الورق.

الأمير مولاي عبد الله بن مولاي علي العلوي: ارتبط اسمه سابقاً بقضية “اكتشاف النفط المزيف بتالسينت”، ويمتلك شركة العقارات MEDIMMO S.A المؤسسة عام 1999. وتكشف وثائقها المالية أن الشركة سجلت رقم معاملات ثابتاً ومطابقاً بالسنت (138,600 يورو) في سنوات 2010 و2019 و2022 دون أدنى تغيير —وهو أمر مستبعد محاسبياً في قطاع العقار— كما أن سيولتها النقدية شبه منعدمة؛ إذ سجلت أرصدة بنكية بقيمة “صفر يورو” في بعض السنوات، ولم تتعدَّ 197 يورو في سنتي 2022 و2024 بسبب توجيه المداخيل لخدمة ديون فاقت مليون يورو.

الحيتان الكبيرة: مديونيات ضخمة وملاذات ضريبية

لم يقتصر التحقيق الاستقصائي على الأمراء، بل امتد ليفضح الهياكل المالية لأبرز أقطاب المال والأعمال بالمملكة:

أنس الصفريوي (إمبراطور العقار): يمتلك شركة Atlacem S.a r.l برأسمال متواضع لا يتجاوز 14 ألف دولار، لكن مديونيتها قفزت بشكل صاروخي من 23 ألف دولار سنة 2022 إلى أكثر من 5.3 ملايين دولار سنة 2024 (ما يعادل 380 ضعف رأسمالها) اعتماداً على قروض مساهمين، لتمويل استثمار عقاري في فرع مكسيكي خاسر رفضت الإدارة تخفيض قيمته المحاسبية في خرق لقواعد الحيطة والحوكمة.

عثمان بنجلون (الملياردير والمصرفي): يدير شبكة من 5 شركات نشطة تتخذ 4 منها مقراً موحداً في شارع جوزيف الثاني (مثل FCOMI – L GLOBAL CAPITAL وAfrica Investments Holdings). وتكشف الوثائق قيامه بنقل شركة Auburn Equities سنة 2021 إلى لوكسمبورغ بعد أن كانت مسجلة في جزر العذراء البريطانية (أحد أشهر الملاذات الضريبية). كما تكشف وثائق شركة Global Strategic Holdings مراكمتها لخسائر متواصلة منذ عام 2009 حتى 2024 مع تجميد أصولها المالية عند رقم ثابت قدره 6,353,188 يورو لأكثر من عقد من الزمن.

مولاي حفيظ العلمي (وزير الصناعة والتجارة الأسبق): يرتبط بشركة لوكسمبورغية تأسست بالحد الأدنى القانوني للرأسمال (12 ألف يورو)، وهي مملوكة بالكامل لشركة Saham Investments Limited المسجلة في مركز دبي المالي العالمي (DIFC) بالإمارات العربية المتحدة، مما يمنحها غطاءً لتنفيذ عمليات مالية وقروض واسعة النطاق عابرة للقارات.

وتأتي تسريبات مشروع “أوبن لوكس” المالي لتشكل صفعة قوية لبروباغندا “الدولة الاجتماعية” وتشجيع الاستثمار الوطني؛ حيث تكشف المعطيات أن النخب المخزنية الحاكمة والأولغارشية المالية التي تدير المشهد الاقتصادي تختار تهريب رساميلها وضخ ثرواتها في صناديق استثمارية وشركات واجهة (SPVs) في لوكسمبورغ ودبي وجزر العذراء، خارج دورة الاقتصاد الوطني وم بعيداً عن أعين الرقابة الضريبية المحلية.