اخبار

هل يفضي تزاحم المبادرات إلى حلّ في ليبيا؟

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
هل يفضي تزاحم المبادرات إلى حلّ في ليبيا؟

تشهد الساحة السياسية في ليبيا زخماً، مع تعدّد المبادرات الرامية إلى إيجاد حل لأزمتها المديدة، حيث طرح أخيراً مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، مبادرة أميركية لتوحيد ليبيا عبر تقاسم السلطة فيها، واستدعت تحرّكات متسارعة على أكثر من صعيد، تجسّدت في بيانٍ أصدرته رئاسات المجالس الثلاثة (المجلس الأعلى للدولة، ومجلس النواب، والمجلس الرئاسي)، وتضمن التفاهم على وثيقة مبادئ، وخريطة طريق، تقود إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية مطلع العام المقبل. وسبق هذه التحرّكات إعلان مخرجات الحوار المهيكل الذي انطلق برعاية الأمم المتحدة في 14 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، واختتم في السابع من يونيو/ حزيران الجاري. وتعتبره الأمم المتحدة ركيزة محورية لخريطة الطريق التي وضعتها بوصفها الإطار الأساسي لإنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسّسات، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية شاملة وذات مصداقية.

لافتةٌ سرعة التوافق بين رئاسات المجالس الثلاثة على وثيقة مبادئ وخريطة طريق، تتضمن إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن في موعد أقصاه 17 فبراير/ شباط 2027، واعتماد مخرجات لجنة “6 + 6” والتعديل الدستوري الثالث عشر، والاسترشاد بتوصيات اللجنة الاستشارية، على أن تحال هذه المخرجات إلى مجلس النواب لاعتمادها رسميّاً. إضافة إلى إجراء تعديل دستوري توافقي، يتيح للرئيس المنتخب دعوة هيئة صياغة الدستور إلى استكمال مشروع الدستور، وصولاً إلى دستور ليبي دائم، في محاولة لإنهاء المراحل الانتقالية، إلى جانب تشكيل لجنة عليا للإشراف على المسار الانتخابي من أجل توفير بيئة آمنة للعملية الانتخابية.

في المقابل، ترى الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، أن خريطة الطريق الأممية ما تزال الإطار الأساسي لإنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسّسات، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية شاملة وذات مصداقية. وتركز على أهمية مخرجات الحوار المهيكل، كونها لا تقتصر على مضمونها، بل تمتد إلى أنها جاءت نتيجة حوار جرى داخل ليبيا، وبمشاركة واسعة من مختلف المكوّنات، وبما يعزّز مبدأ الملكية الوطنية للحل السياسي.

تتقاطع المبادرة الأميركية مع خريطة الطريق الأممية وتفاهمات المجالس الثلاثة حول الهدف المعلن منها، إنهاء الانقسام والوصول إلى الانتخابات العامة

ويعد “الحوار المُهيكل”، الذي بدأت أعماله في ديسمبر/ كانون الأول 2025، الركن الثاني من خريطة الحل السياسي التي أعلنتها البعثة الأممية في 21 أغسطس/ آب 2025. ويتمثل الركن الأول بإعادة تهيئة مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل القوانين الانتخابية.

على الرغم من الحذر والتوجس، لم تتأخر معظم الأطراف الليبية عن ترحيبها بالمبادرة الأميركية التي اعتبرت مختلفة عن المبادرات الأخرى لأنها “في جوهرها تستند إلى الواقعية وإلى فهم طبيعة الأمر الواقع بكل تعقيداته”. وفي هذا السياق، أعلن 47 عضواً في مجلس النواب دعمهم لها، وتمسّكهم بها “باعتبارها إحدى الفرص الجادة القابلة للبناء عليها”، وأنها تمثل مدخلاً ممكناً لـ”تقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية الفاعلة، وتوحيد الجهود السياسية لمعالجة حالة الانقسام وتهيئة الظروف لإنجاز تسوية وطنية شاملة”.

لم يكشف عن كل تفاصيل المبادرة الأميركية للحل في ليبيا، لكن تصريحات بولس أظهرت أنها تهدف إلى تهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية، وتعزيز التوافق بين المؤسّسات السياسية الرئيسية، من خلال خطة لتشكيل حكومة موحّدة، وتوحيد جميع المؤسّسات الليبية المنقسمة تحت سلطة واحدة، عبر الإبقاء على السلطات القائمة في شرق البلاد وغربها، والعمل على إدماجها ضمن كيان موحد، يمهد لوضع أسس تسوية دائمة للأزمة الليبية، من دون تحديد سقف زمني واضح لإنجاز الحل الشامل. وتتضمّن عدة خطوات، منها اتفاق لميزانية ليبية موحدة، مع وعود وإغراءات بتشجيع شركات النفط الأميركية على توسيع استثماراتها في البلاد.

لا يكمن التحدّي الحقيقي في ليبيا في إعلان المبادرات السياسية، بل في القدرة على تنفيذ بنودها

تتقاطع المبادرة الأميركية مع خريطة الطريق الأممية وتفاهمات المجالس الثلاثة حول الهدف المعلن منها، إنهاء الانقسام والوصول إلى الانتخابات العامة، لكن تعدّد المبادرات المطروحة يعكس، في الوقت نفسه، استمرار التنافس على قيادة المرحلة المقبلة، في غياب توافق نهائي بين مختلف القوى الفاعلة. كما يطرح تعدّد هذه المبادرات الرامية إلى حلّ الأزمة الليبية إشكالات عديدة من جهة تعارضها أو تكاملها، بالنظر إلى اختلافها في طرق التنفيذ وآليات التعامل مع القضايا المطروحة، على الرغم من الزخم الذي تحدثه في المشهد السياسي الليبي، الذي يواجه تحدّيات كثيرة، ويحفل بقوى يمكنها عرقلة تنفيذ المبادرات والحيلولة دون تحويلها إلى تسوية. لذا من المهم الحفاظ على “الزخم السياسي الهش”، بحسب ما وصفته الممثلة الأممية في إحاطتها أمام مجلس الأمن، وحذرت من سرعة تلاشيه، إن لم تستثمره الأطراف الليبية بجدية.

سارعت واشنطن إلى الدفع بمبادرتها، وتأمين دعم إقليمي لها من خلال اجتماع بولس مع وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية، بغية تسويق مبادرتها إقليمياً، وحشد الدعم لتحريك مسار تسويتها. لكن تأمين هذا الدعم الإقليمي ليس بالبساطة التي تفترضها واشنطن. كما تحاول واشنطن حصول توافق بين القوى الليبية المسيطرة على شرقها وغربها، عبر ترتيب زيارة إلى واشطن لكل من ممثل لحكومة الوحدة الوطنية (يرأسها عبد الحميد الدبيبة)، وصدام حفتر، الذي يحمل صفة نائب القائد العام لما يعرف بـ”الجيش الوطني”، المتحكّم في الشرق الليبي، بهدف الوصول إلى تفاهمات حول توحيد المؤسسة العسكرية.

إذاً، تشهد ليبيا تعدّد مبادرات مطروحة لحل أزمتها المديدة، لكن التجارب السابقة ما تزال تلقي بظلالها على مشهدها السياسي، حيث سبق أن أُطلقت مبادرات عديدة لإنهاء الأزمة، لكنها اصطدمت بالخلافات السياسية والصراعات على النفوذ والمصالح، ما جعلها تتعثر قبل الوصول إلى نتائج ملموسة. ولا يعني تعدّد المبادرات قرب الوصول إلى انفراجة، بل قد ينذر بإطالة أمد الأزمة وتعميق الانقسام، خصوصاً أن معظمها تحوَّل من طروحات سياسية لإنقاذ البلاد إلى أدوات لإعادة توزيع النفوذ، وتثبيت موازين القوى بين الأطراف المسيطرة على الأرض. لذلك لا يكمن التحدّي الحقيقي في ليبيا في إعلان المبادرات السياسية، بل في القدرة على تنفيذ بنودها، التي تستلزم توفر إرادة سياسية وضمانات تنفيذية.