يقدَّم المرسوم الرقم 3214 الصادر عن وزارة البيئة اللبنانية في الجريدة الرسمية قبل عشرة أيام، تحت عنوان إصلاحي لافت هو “الملوِّث يدفع”. غير أن التدقيق في بنوده يكشف سريعاً أن المسألة تتجاوز البُعد البيئي لتدخل في صلب ضرائب السياسة المالية للدولة، حيث تتحول “الرسوم البيئية” إلى أداة واسعة لفرض كلفة إضافية على استهلاك المواطنين، في اقتصاد يعاني أصلاً اختلالات عميقة وانكماشاً حاداً.
فالمرسوم الذي يرفع الرسوم (أو ضرائب ثقيلة بنهاية المطاف) على المواد المنتجة للنفايات الصلبة من نحو 1% إلى ما بين 1% و3%، لا يكتفي بسلع محددة ذات أثر بيئي مباشر، بل يمدّ نطاقه ليشمل طيفاً شاملاً تقريباً على الغذاء والدواء والملابس والسيارات والمواد الصناعية. وبهذا المعنى، لا يعود الحديث عن سياسة بيئية موجّهة، بل عن ضريبة استهلاكية موسّعة تُضاف إلى سلسلة أعباء موجودة أصلاً تُنهك اللبنانيين.
المفارقة الأساسية تكمن في التسمية. فحين تُدرج المحروقات والمواد الغذائية والأدوية تحت خانة “الملوِّث”، يصبح المفهوم البيئي أقرب إلى غطاء تقني لسياسة جباية عامة. صحيح أن مبدأ “الملوِّث يدفع” معتمد في دول عديدة، لكنه هناك يرتبط بأنظمة إنتاج صناعي متقدمة وقدرة فعلية على فرز النفايات وإعادة التدوير، لا باقتصاد يعتمد في معظمه على الاستيراد ويعجز حتى عن إدارة نفاياته الأساسية بشكل مستدام.
المرسوم يرفع الرسوم على المواد المنتجة للنفايات الصلبة من نحو 1% إلى ما بين 1% و3%، ويمدّ نطاقه ليشمل طيفاً شاملاً تقريباً على الغذاء والدواء والملابس والسيارات والمواد الصناعية
أما الأثر الاقتصادي فلا يحتاج إلى كثير من التحليل النظري. فأي زيادة، ولو كانت محدودة نسبياً، على هذا الكم الهائل من السلع، لا تبقى في حدود نسبتها القانونية. فبفعل تداخل الرسوم مع كلفة النقل والتخزين وهوامش الربح، تتحول النسبة الصغيرة إلى موجة تضخمية أوسع تتسلل إلى كل تفاصيل السلة الاستهلاكية من البنزين إلى ربطة الخبز.
والأخطر أن هذه السياسة تأتي في سياق انهيار القدرة الشرائية وتآكل الأجور، ما يجعل من أي رسم إضافي عبئاً مباشراً على الطبقات الوسطى والفقيرة، لا مجرد أداة تنظيمية للسوق. وهنا تحديداً يفقد الخطاب الرسمي توازنه، إذ يصعب إقناع المواطن بأن الهدف بيئي فيما النتيجة النهائية هي زيادة الفاتورة اليومية دون أي ضمانة موازية لتحسين خدمات النفايات أو البنية التحتية البيئية.
كما يطرح المرسوم سؤالاً جوهرياً حول مصير الإيرادات. فحين تُقدّر العائدات بنحو 370 مليون دولار سنوياً، يصبح من المشروع التساؤل عن آليات الصرف والحوكمة والشفافية، خصوصاً في دولة لم تنجح حتى الآن في بناء ثقة مستقرة بين المواطن والمؤسسات المالية العامة، فيما يجد المواطن نفسه من يدفع ثمن “الإصلاح” دون أن يلمس نتائجه.