وقال علماء، الجمعة، إن موجة الحر القياسية التي تجتاح أوروبا الغربية كانت لتكون “شبه مستحيلة” من دون التغير المناخي الناجم عن النشاط البشري، الذي جعل درجات الحرارة الليلية المرتفعة هذا الأسبوع أكثر احتمالا بمئة مرة مقارنة بما كانت عليه قبل عقدين فقط.
وهذا يعني أنه إذا كانت موجة حر مماثلة تحدث مرة واحدة كل 1000 سنة في المناخ السابق، فإنها قد تصبح اليوم تحدث مرة كل 10 سنوات تقريبا أي أنها ستتكرر بشكل حتمي أكثر من مرة في العشرين عاما المقبلة.
وقالت مجموعة “وورلد ويذر أتريبيوشن ” (World Weather Attribution – WWA)، وهي مجموعة من علماء المناخ المتخصصين في دراسة إسناد الظواهر الجوية المتطرفة إلى تغير المناخ، في تحليل لها: “في المنطقة التي شملتها الدراسة، تُعد هذه الموجة الحارة الأشد التي تم تسجيلها على الإطلاق”.
وأظهرت الدراسة أن 45% من أكثر من 800 مدينة أوروبية خضعت للتحليل سجلت أو يُتوقع أن تسجل أعلى مستويات الإجهاد الحراري لديها في أواخر شهر حزيران/يونيو، ويحدث الإجهاد الحراري عندما يعجز الجسم عن تبريد نفسه من خلال التعرق.
صيف 2026 بدأ في أيار/مايو.. وكان قاتلا!
حل صيف عام 2026 عملياً في شهر أيار/مايو، قبل حتى بداية الصيف وفق التقويم المناخي، إذ دفعت قبة حرارية قياسية درجات الحرارة في أوروبا الغربية إلى مستويات تراوحت بين 10 و15 درجة مئوية فوق المعدلات الطبيعية، محطمة أرقاماً قياسية لشهر أيار/مايو من البرتغال إلى المملكة المتحدة.
وتُعد أوروبا أسرع قارات العالم احترارا، وسجلت بريطانيا، الخميس، أعلى درجة حرارة في تاريخ شهر حزيران/يونيو، في خضم موجة حر قاتلة أودت بحياة عشرات الأشخاص، وتسببت في اضطرابات بإمدادات الكهرباء وإغلاق مدارس ومعالم ثقافية.
وخلص تحليل مجموعة “وورلد ويذر أتريبيوشن” إلى أن الاحترار العالمي أدى إلى تفاقم موجات الحر في أوروبا خلال بضعة عقود فقط، وقالت المجموعة إن موجة حر مماثلة لو جاءت في حزيران/يونيو من عام 1976 لكانت ستكون أبرد بنحو 3.5 درجات مئوية من االموجة الحالية أي أن درجات الحرارة لم تكن لتصل إلى الأربعين درجة حتى لو تحركت القبة الحرارية بنفس قوتها الحالية.
موجة حر قياسية ومبكرة وواسعة
ولعل أول ما يلفت النظر في هذه الموجة أنها جاءت مبكرة واستثنائية في آن واحد، فبعد أسابيع قليلة فقط من موجة حر قياسية في أيار/مايو حطمت أرقاما تاريخية، عادت القارة لتعيش موجة ثانية أكثر شدة واتساعا، وذلك رغم أن حزيران/يونيو ليس تاريخيا أكثر أشهر السنة حرارة في أوروبا الغربية.
وفي فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وجنوب بريطانيا، ارتفعت درجات الحرارة بما بين خمس واثنتي عشرة درجة مئوية فوق المعدلات الموسمية، مدفوعة بقبة حرارية ناتجة عن نظام ضغط جوي مرتفع ومستمر نقل الهواء الساخن من شمال أفريقيا إلى القارة العجوز، بينما ساهمت السماء الصافية والإشعاع الشمسي القوي في مضاعفة آثار هذه الكتلة الهوائية.
وتكاد تكون الأرقام التي سجلت خلال الأيام الأخيرة غير مسبوقة على الإطلاق، فقد سجلت فرنسا في الرابع والعشرين من حزيران/يونيو أعلى متوسط حراري يومي في تاريخها، وتجاوزت الحرارة في باريس أربعين درجة مئوية، بينما حطمت ألمانيا والدنمارك وسويسرا وبريطانيا أرقاما قياسية لشهر حزيران/يونيو، والأكثر إثارة للقلق أن العديد من العواصم الأوروبية لم تعش فقط أكثر ثلاثة أيام حرارة في شهر حزيران/يونيو، بل أكثر ثلاثة أيام حرارة منذ عام 1950 وفق بيانات “إيرا 5” المناخية.
“الليالي الاستوائية”
وفي أجزاء من فرنسا بقيت درجات الحرارة ليلاً قرب 30 درجة مئوية لأكثر من أسبوع، وهي العتبة التي تسمى “الليلة الاستوائية”، وعليه فعلت السلطات الإنذارات الحمراء، بينما يفعل الإنذار البرتقالي عندما تبقى هذه الظاهرة لأقل من ثلاث ليالي.
وتعد هذه الظاهرة شديدة الخطورة لأن جسم الإنسان يحتاج إلى انخفاض درجات الحرارة ليلا كي يتعافى من الإجهاد الحراري الذي يتعرض له نهارا.
وعندما لا يحدث هذا الانخفاض ليلا، تتراكم الضغوط على الجسم، خصوصاً لدى كبار السن والمصابين بأمراض القلب والجهاز التنفسي والأشخاص الذين يعيشون في مساكن غير مجهزة.
وأظهر استطلاع مشترك بين الوكالة الأوروبية للبيئة وEurofound، شمل أكثر من 27 ألف شخص في 27 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، أن أربعة من كل خمسة أوروبيين تعرضوا بالفعل لتأثير واحد على الأقل من آثار التغير المناخي.
وتعد الحرارة التأثير المناخي الأكثر مباشرة بالنسبة للمواطنين، فيما أكد معظم المشاركين أنهم لا يشعرون بأنهم يتمتعون بحماية كافية.
وكشف الاستطلاع أن 68 بالمئة من سكان الاتحاد الأوروبي لا يملكون أجهزة تكييف أو أنظمة تهوية في منازلهم، وأكثر من شخص واحد من كل ثلاثة يقول إنه لا يستطيع تحمل تكاليف شراء هذه الأجهزة وترتفع نسب من لا يملكون تكييفا في منازلهم في بعض أكثر مناطق أوروبا حرارة كاليونان والبرتغال وفرنسا.
كما أن المستأجرين وذوي الدخل المنخفض والأشخاص الذين يعانون من أوضاع صحية سيئة هم الأقل حماية والأكثر عرضة للمخاطر بشكل منهجي.
“الاستثناء سيصبح طبيعيا”
ولم تكن موجة الحر هذه مجرد حدث إحصائي أو رقما قياسيا جديدا يضاف إلى السجلات المناخية “الاستثنائية” أو “القياسية”، وتحذر الدراسات من أنها ستصبح طبيعية، ما يشكل أزمة إنسانية وصحية واقتصادية، فالحرارة أصبحت الخطر المناخي الأكثر فتكاً في أوروبا، وتشير الوكالة الأوروبية للبيئة إلى أن 95 في المئة من الوفيات الناتجة عن الأخطار المناخية منذ عام 1980 ارتبطت بالحر الشديد.
وفي صيف 2022 وحده، توفي ما بين ستين وسبعين ألف شخص في أنحاء القارة بسبب موجات الحر، فيما سجل أكثر من سبعة وأربعين ألف وفاة مرتبطة بالحر في صيف 2023 الذي كان أقل سخونة بكثير، أما أول موجة حر في صيف 2025 فقد أودت بحياة نحو 2300 شخص في اثنتي عشرة مدينة أوروبية فقط.
ولذلك لم يكن مستغرباً أن تتعرض الأنظمة الصحية الأوروبية لضغوط كبيرة، ففي فرنسا ارتفعت الاتصالات بخدمات الطوارئ الطبية بنسبة عشرين في المئة، وسجلت عشرات الوفيات، وأغلقت مئات المدارس وألغيت فعاليات في الهواء الطلق، وفي بريطانيا أعلنت بعض المشافي حالة طوارئ حرجة بسبب التدفق الكبير للمرضى، وقصرت خدماتها على الحالات المهددة للحياة، وفي إيطاليا ارتفعت أعداد الوافدين إلى أقسام الطوارئ وسجلت وفيات مرتبطة بالحر وانقطاعات في الكهرباء نتيجة الارتفاع القياسي في استخدام أجهزة التكييف.
أما في بلجيكا وهولندا، فقد تعرضت أنظمة الرعاية الصحية والنقل لضغوط متزايدة واضطرابات في الخدمات.
وفي بلجيكا أيضا، أبلغت مراكز إنقاذ الحيوانات البرية عن ارتفاع حاد في أعداد الحيوانات المتضررة من الحرارة، ولا سيما الطيور الصغيرة.
ولم تقتصر آثار الموجة على الصحة العامة، فقد امتدت إلى النقل والطاقة والزراعة والمياه، فالحرارة الشديدة أدت إلى تمدد السكك الحديدية في فرنسا وتعطيل خطوط الكهرباء فوق القطارات، ما تسبب في اضطرابات واسعة في حركة النقل، كما ارتفع الطلب على التبريد إلى أعلى مستوى له منذ خمسة وأربعين عاما، ما زاد الضغوط على شبكات الكهرباء.
أما الزراعة الأوروبية فتواجه بدورها تحديات هائلة، وفي إسبانيا تشتد ظروف الجفاف والإجهاد المائي مع تراجع مستويات المياه في الخزانات، وفي إيطاليا تتصاعد المخاوف في حوض نهر “البو” بسبب انخفاض الموارد المائية اللازمة للري وارتفاع درجات الحرارة التي تهدد المحاصيل الزراعية، كما ارتفع خطر اندلاع حرائق الغابات بشكل كبير في فرنسا وإسبانيا.
الطاقة النووية لا تكفي
ومن أكثر الأمثلة دلالة على عمق الأزمة ما يحدث في فرنسا، الدولة التي طالما اعتبرت نموذجا للأمن الطاقوي بفضل اعتمادها الكبير على الطاقة النووية، وتنتج فرنسا معظم كهربائها من المفاعلات النووية، لكن موجات الحر والجفاف الحالية أظهرت أن حتى الطاقة النووية ليست بمنأى عن التغير المناخي.
وتعتمد المفاعلات النووية الفرنسية على مياه نهري الرون وجارون لتبريدها، وعندما تنخفض مستويات المياه في هذه الأنهار أو ترتفع حرارتها خلال موجات الحر والجفاف، تتراجع قدرة المحطات على تبريد المفاعلات، ما يفرض في بعض الأحيان تخفيض الإنتاج أو حتى إيقاف بعض الوحدات كما حصل خلال الأسبوع الفائت، وهذا يحدث في وقت تمثل فيه فرنسا ركنا أساسيا في شبكة الكهرباء الأوروبية، وأي تراجع في إنتاجها يمكن أن يؤدي إلى تشديد إمدادات الكهرباء وارتفاع الأسعار في القارة بأسرها.
وللعلم فجفاف نهري الرون وجارون الذي يهدد تبريد المفاعلات النووية الفرنسية ليس نتيجة الحرارة المرتفعة فحسب، بل هو إحدى نتائج التغير المناخي الذي يغير الدورة المائية برمتها.
الاحتباس الحراري أحد عوارض تغير المناخ
ولعل من المفيد والمهم التمييز بين مفهومي الاحتباس الحراري والتغير المناخي، وهما مصطلحان غالبا ما يستخدمان على أنهما مترادفان رغم أنهما ليسا الشيء نفسه.
فالاحتباس الحراري هو الارتفاع التدريجي في متوسط درجة حرارة الأرض نتيجة تراكم غازات الدفيئة، وعلى رأسها ثاني أكسيد الكربون والميثان في الغلاف الجوي، حيث تحل هذه الغازات مكان غاز الأوزون الذي يسمح للكوكب بالتنفس، فتعمل كمرآه صلبة وغطاء يحتجز جزءا كبيرا من الحرارة التي كان من المفترض أن تغادر الأرض نحو الفضاء، وقد ارتفع متوسط حرارة الكوكب بالفعل بنحو 1.4 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية.
أما التغير المناخي فهو المفهوم الأوسع، ويشمل جميع النتائج التي يسببها هذا الاحترار، مثل تغير أنماط الأمطار، وتزايد موجات الجفاف، وارتفاع مستوى البحار، واشتداد الفيضانات، وتراجع تدفقات الأنهار، وحرائق الغابات، وازدياد حمضية المحيطات، وتغير النظم البيئية والإيكولوجية (تتفاجئ المحاصيل والبكتريا وحتى الغابات والحيوانات بسرعة تغير الفصول).
أوروبا تتحرك.. لكن بعد فوات “جزء من الوقت”
خلال الأيام الماضية فعلت دول أوروبية كفرنسا الإنذارات الحمراء في الأيام التي استمر فيها الحر أكثر من ثلاثة أيام، وفتحت قاعات تبريد، وأغلقت مدارس، وقيدت استهلاك الكحول في بعض المناطق الفرنسية، وطلبت من السكان ترشيد استخدام المياه والطاقة، لكن الوكالة الأوروبية للبيئة ومنظمة الصحة العالمية تشددان على أن هذه التدابير لا تكفي إذا بقيت مجرد استجابات موسمية طارئة.
فالتكيف يجب أن يصبح سياسة دائمة، وهذا يعني إعادة تصميم المدن الأوروبية نفسها: المزيد من الأشجار والحدائق، والأسطح الخضراء، والمباني المعزولة حرارياً، وإعادة التفكير في ساعات العمل خلال الصيف، وتجهيز المستشفيات ودور المسنين، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وإعادة تصميم شبكات الكهرباء والنقل.
وستضطر أوروبا إلى إعادة النظر في نموذجها السكني، فاستطلاع أجرته الوكالة الأوروبية للبيئة أظهر أن 68 في المئة من سكان الاتحاد الأوروبي لا يملكون أجهزة تكييف أو أنظمة تهوية في منازلهم، وأن أكثر من ثلثهم لا يستطيعون تحمل تكاليفها. وفي فرنسا نفسها تبلغ النسبة 42 في المئة.
وتحذر الوكالة الأوروبية للبيئة من أن الوفيات المرتبطة بالحر الشديد في الاتحاد الأوروبي قد ترتفع عشرة أضعاف إذا بلغ الاحترار العالمي 1.5 درجة مئوية، وأكثر من ثلاثين ضعفا إذا وصل إلى ثلاث درجات مئوية.
وترى الوكالة أن الاعتماد على وسائل التبريد التقنية وحدها لن يكون كافياً، خصوصاً بالنسبة للأشخاص غير القادرين على تحمل تكاليفها، وتؤكد ضرورة توسيع الحلول القائمة على الطبيعة في أنحاء أوروبا، بما في ذلك البنى التحتية الخضراء للحد من ظاهرة الجزر الحرارية في المدن.
فالأشجار والحدائق والأسطح الخضراء والممرات البيئية المستعادة يمكن أن تخفض درجات الحرارة المحسوسة بشكل كبير، وتعد من أكثر الأدوات فعالية من حيث التكلفة.
وتشير دراسات حضرية إلى أن البنى التحتية الخضراء الموضوعة في أماكن مناسبة يمكن أن تخفض درجات الحرارة بما يصل إلى 4 درجات مئوية، فضلاً عن فوائد إضافية تتعلق بالتنوع البيولوجي وجودة الهواء والقدرة على مواجهة الفيضانات.
وفي 11 حزيران/يونيو، نشر المكتب الإقليمي الأوروبي التابع لمنظمة الصحة العالمية إرشادات جديدة لحماية السكان من الحر الشديد، جرى تحديثها للمرة الأولى منذ 18 عاما، وساهمت الوكالة الأوروبية للبيئة بشكل خاص في إعداد الفصل المتعلق بكيفية خفض المدن للتعرض للحرارة، وتقدم هذه الإرشادات للدول إطارا عمليا وواضحا لوضع خطط صحية فعالة للتعامل مع موجات الحر.
من التخطيط إلى التنفيذ
بحلول عام 2025، كانت جميع الدول الأعضاء في الوكالة الأوروبية للبيئة قد اعتمدت سياسات وطنية للتكيف مع التغير المناخي.
إلا أن تقريرا جديدا للوكالة بشأن الصمود المناخي في أوروبا خلص إلى أن التنفيذ ما زال يواجه عراقيل ناجمة عن تشتت الحوكمة، وعدم وضوح المسؤوليات، ونقص التمويل، خصوصاً على المستويين الإقليمي والمحلي.
وتحذر الوكالة من أن الفجوة بين التخطيط والتنفيذ يجب أن تُسد قبل أن تجعل موجة الحر المقبلة التحدي أكبر والفجوة أوسع، وكما أثبت شهر أيار/مايو من هذا العام، فإن موجات الحر في أوروبا لم تعد تنتظر بداية فصل الصيف حتى تبدأ.
وتحذر الوكالة في اقرير لها من أن أوروبا تسخن بوتيرة أسرع من أي قارة أخرى، ما يستدعي استجابات سياسية أكثر طموحا وتنسيقا على المستويين الأوروبي والوطني، ويتوقع التقرير أنه من دون اتخاذ إجراءات حاسمة، فإن معظم هذه المخاطر قد تبلغ مستويات حرجة أو حتى كارثية بحلول نهاية القرن الحالي، فقد يموت مئات الآلاف جراء موجات الحر، بينما قد تتجاوز الأضرار الناجمة عن الفيضانات الساحلية تريليون يورو سنويا.
يبقى السؤال الأكبر الذي تطرحه موجة حرّ 2026 هو إذا ما كانت أوروبا تستطيع التكيف مع هذا الواقع الجديد؟ وإذا ما كان التكيف وحده يكفي؟!.
لكن التكيف وحده لن يكون كافيا..
التكيف وحده ليس كافيا، هذه الخلاصة الأهم التي توصلت إليها الدراسات العلمية الأخيرة، فالتكيف يخفف الخسائر ويجعل المجتمعات أكثر قدرة على الصمود، لكنه لا يعالج أصل المشكلة.
وإذا استمرت انبعاثات الغازات الدفيئة بالمستويات الحالية، فإن موجات الحر ستصبح أكثر تواترا وأشد قسوة إلى درجة قد تتجاوز قدرة المجتمعات نفسها على التكيف.
وهنا يصبح مسار التصدي للتغير المناخي، أي خفض الانبعاثات أساسيا، إذ لا يمكن لأوروبا أن تبني عدداً لا نهائياً من قاعات التبريد، أو أن تكيف كل بناها التحتية مع درجات حرارة ترتفع باستمرار، وفي مرحلة معينة تصبح تكلفة التكيف أعلى من قدرة المجتمعات على تحملها.
ولهذا فإن العودة إلى أهداف اتفاق باريس للمناخ تعد قضية بيئية ولكن ابعد من ذلك أصبحت ضرورة اقتصادية وصحية واجتماعية وأمنية، وكل جزء من الدرجة المئوية يمكن تجنبه يعني آلاف الأرواح التي يمكن إنقاذها، ومليارات اليوروهات من الخسائر التي يمكن تفاديها.
ولهذا أيضا لا تستطيع أوروبا وحدها حل المشكلة، فالاحتباس الحراري لا يعرف الحدود، والغازات المنبعثة في أي مكان من العالم تؤثر في المناخ العالمي كله، ومن دون جهد دولي جماعي للعودة إلى مسار اتفاق باريس والحد من الاحترار العالمي، فإن إجراءات التكيف الأوروبية ستصبح أشبه بمحاولة اللحاق بأزمة تتسارع أسرع من قدرة المجتمعات على الاستجابة لها.
وفي هذا السياق، يشكل تقييم المخاطر المناخية للوكالة الأوروبية دعوة صريحة للقادة الأوروبيين لزيادة الاستثمارات في تعزيز القدرة على الصمود وخفض الانبعاثات من أجل تجنب أسوأ سيناريوهات الاحترار، وتختتم الوكالة تقريرها بالتأكيد على أن أوروبا لديها الوسائل اللازمة للحد من المخاطر المناخية وبناء مجتمع مزدهر وقادر على الصمود لجميع الأوروبيين، وأن ما تحتاجه الآن هو الإرادة السياسية وقبول المجتمع لوضع هذه الوسائل موضع التنفيذ، ومنها سياسات تكيف عادلة؛ وتجديد المباني؛ وحلول التبريد السلبي؛ وتصميم حضري قادر على مقاومة الحرارة.
إضافة إلى أمر أساسي وهو التخلص السريع من الوقود الأحفوري الذي يعد أمرا حاسما إذا أراد العالم تجنب درجات حرارة أعلى وعواقب أشد في المستقبل.
موجة حرّ ثالثة في يوليو تموز؟
يحذر موقع Météo-Contact من أن انتهاء موجة الحر الحالية لا يعني بالضرورة انتهاء الخطر، إذ إن عدداً من النماذج المناخية الموسمية يشير إلى احتمال عودة الحرارة الشديدة خلال شهر تموز/يوليو، ويستند هذا القلق إلى حقيقة أن فرنسا وأجزاء واسعة من أوروبا شهدت بالفعل موجتي حر استثنائيتين في أيار/مايو وحزيران/يونيو، في حين أدت الحرارة المتواصلة إلى جفاف متزايد في التربة، وهو عامل يزيد ميكانيكيا من احتمال استمرار صيف حار جدا بكل حال، حتى وإن كان لا يسمح بالجزم بحدوث موجة حر جديدة.
ويشير الموقع إلى أن معظم النماذج الفصلية تتفق على أن شهري تموز/يوليو وآب/أغسطس سيكونان أكثر حرارة من المعدلات المعتادة في فرنسا، وبعد بداية شهر تموز/يوليو التي قد تكون حارة ولكن مقبولة نسبيا، تراقب مراكز الأرصاد احتمال تشكل حالة جديدة من “الانغلاق الجوي” فوق أوروبا الغربية اعتباراً من الخامس من تموز/يوليو، وهي ظاهرة تؤدي إلى استقرار كتل هوائية حارة ومنع وصول التيارات الأطلسية الأكثر برودة، ما قد يفتح الباب أمام موجة حر جديدة، غير أن الخبراء يشددون على أنه لا يزال من المبكر تأكيد سيناريو حدوث موجة حر جديدة بهذا التوقيت.
ما هو الاحتباس الحراري؟
الاحتباس الحراري هو ظاهرة تنتج عن تراكم غازات الدفيئة، مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان، في الغلاف الجوي، ما يؤدي إلى حبس جزء من الحرارة التي تشعها الأرض بعد امتصاصها لأشعة الشمس. وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة الطبيعية ساعدت تاريخياً في الحفاظ على درجة حرارة مناسبة للحياة، فإن الأنشطة البشرية، ولا سيما حرق الوقود الأحفوري خلال المئة والخمسين عاماً الأخيرة، زادت بشكل كبير من تركيز هذه الغازات، مما أدى إلى تسارع احترار الكوكب وظهور تغيرات مناخية غير مسبوقة.
ويتجلى تأثير الاحتباس الحراري في سلسلة واسعة من الاضطرابات البيئية والمناخية، أبرزها ذوبان الأنهار الجليدية والقمم القطبية، وارتفاع مستوى سطح البحار، وزيادة موجات الجفاف والفيضانات والأعاصير والحرائق، فضلاً عن اضطراب أنماط الأمطار والفصول، كما تتعرض النظم البيئية لضغوط شديدة، إذ تجد النباتات والحيوانات صعوبة في التكيف مع التغيرات السريعة في درجات الحرارة، ما يهدد التنوع البيولوجي ويؤدي إلى اختلالات قد يصعب عكسها.
ولا تقتصر آثار الاحتباس الحراري على البيئة فحسب، بل تمتد إلى الصحة والاقتصاد والأمن الغذائي. فارتفاع درجات الحرارة يزيد من انتشار الأمراض المرتبطة بالمياه والحرارة، ويؤثر في جودة الهواء وصحة الجهاز التنفسي، كما يهدد الزراعة والإنتاج الغذائي، ما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتفاقم الفقر والصراعات على الموارد.
ويحذر العلماء من أن استمرار الاحترار العالمي دون إجراءات حاسمة للحد من انبعاثات غازات الدفيئة قد يفضي إلى كوارث إنسانية وبيئية واسعة النطاق، الأمر الذي يجعل مواجهة تغير المناخ أحد أكبر التحديات التي تواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين.
الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم
ابق على اطلاع دائم بالأخبار الدولية أينما كنت. حمل تطبيق مونت كارلو الدولية