اخبار

الضفّة الغربية تحت وطأة تبنّي “خطة الحسم” الّتي يروّجها اليمين

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
الضفّة الغربية تحت وطأة تبنّي “خطة الحسم” الّتي يروّجها اليمين

توحي الإجراءات الّتي تقوم بها إسرائيل في الضفّة الغربية تنفيذاً لقراراتٍ حكوميّةٍ رسميةٍ بأنّها تتجّه نحو استراتيجية حسم الصراع بديلاً لاستراتيجية إدارة الصراع، الّتي ثمّة تقديراتٌ بأنّها تبنّتها على مدار عقود، ولا سيّما منذ عام 2000. وثمّة من يؤكّد أن هذا التحوّل لم يعد مجرد تطلّع أيديولوجي لتيار اليمين المتطرف، الّذي يمسك بتلابيب الحكومة الحالية، بل يُترجم إلى خطة عمل حكومية، وإلى تدابير هيكلية يجري تنفيذها على الأرض. مهما تكن هذه التدابير ينبغي أن نشير إلى ما استجدّ منها في الآونة الأخيرة هو:

أولاً، شهدت الأشهر الأخيرة تحوّلاً لم يسبق له مثيل في آليات التعامل مع أراضي الضفّة الغربية، تمثّل في تفعيل إجراءات تسجيل ملكية مساحات واسعة من أراضي مناطق (ج) على اعتبارها “أراضي دولة”، وذلك لأوّل مرّة منذ احتلالها عام 1967.

ثانياً، تُظهر قرارات الحكومة الإسرائيلية الأخيرة المتعلقة بإنشاء بؤر استيطانية جديدة، أو توسعة مستوطنات قائمة وجود رغبة واضحة لدى الحكومة الإسرائيلية في تقطيع أوصال الضفّة الغربية بالكامل، بغية إحباط ما يعرف باسم “حلّ الدولتين”.

من الناحية العسكرية الصرف، لم يتعامل الجيش الإسرائيلي مع الضفّة الغربية، وخصوصاً المخيمات في الشمال، جنين وطولكرم ونابلس، على أنّها ساحة أمن داخلية، بل جبهة مواجهة عسكرية كاملة، واستُخدمت فيها القوّة الجوية والمدرعة بكثافة

ولعل ما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد أيضاً، أن تقارير جميع منظّمات حقوق الإنسان الإسرائيلية، وتقارير حركة “السلام الآن”، سبق لها أن أشارت إلى أنه بعد عام من الحرب في قطاع غزّة (شُنّت يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023)، وما يقارب العامين من تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية (التي تشكلت في أواخر عام 2022)، بات واضحاً أن سياسة حكومة إسرائيل في الضفّة الغربية هي تقليص المساحة الفلسطينية في مناطق (ج)، ودفع المجتمعات الفلسطينية إلى مناطق (أ) و (ب)، إلى جانب اتّخاذ خطوات ضمّ بعيدة المدى. وتُطَبَّق هذه السياسة من خلال إقامة عدد قياسي من البؤر الاستيطانية غير القانونية، وزيادة كبيرة في كمية عنف المستوطنين وشدته، الّذي يحظى بحماية الجيش، والّتي وصفها حتّى رئيس جهاز الأمن العام- “الشاباك”- بأنها إرهاب، وإغلاق الطرق والشوارع، واتّخاذ خطوات غير مسبوقة لتبييض البؤر الاستيطانية غير القانونية وتمويلها. كما أشير إلى أنه منذ تشكيل الحكومة الحالية، تكمل إسرائيل بناء البنية التحتية الإدارية للضمّ الفعلي للضفّة الغربية إلى إسرائيل، مع سحب الصلاحيات من الإدارة المدنية وتحويلها إلى هيئة مدنية سياسية تخضع للوزير بتسلئيل سموتريتش، الّذي يشغل منصب وزير المال، ومنصب وزير ثان في وزارة الأمن.

وتزامناً مع كتابة هذا المقال، جزم رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، إيهود أولمرت، في سياق مقال صحافي، بأن ما يجري في هذه الأيّام في أنحاء الضفّة الغربية ليس من صُنع “جانحين مراهقين”، حسب ما حاول رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن يدّعي، وليست جرائم “أقلية صغيرة شاذة من بين سكان المستوطنات” في الأراضي المحتلة منذ عام 1967، بل حملةٌ منظمة، مرتبة ومموّلة، من التطهير العرقي والجريمة ضدّ الإنسانية، تديرها دولة إسرائيل في أراضي الضفّة الغربية الخاضعة للسيطرة الأمنية الكاملة للدولة، ولمؤسساتها الأمنية، وأجهزة إنفاذ القانون التابعة لها.

ويقف على رأس هذه الحملة رئيس الحكومة، وإلى جانبه وزير الدفاع، وطبعاً سائر وزراء الحكومة. ومما كتبه أولمرت حرفيّاً: “لم يعُد هناك مفرّ من قول هذه الأمور بكل حدّتها. ولا شيء يمكن أن يبرّر غضّ الطرف عما يحدث يومياً في القرى الفلسطينية في الضفّة الغربية؛ مذابح جماعية، واعتداءات على الأطفال والكبار داخل بيوتهم وخارجها، وإحراق الحقول والأملاك، وسرقات على نطاق واسع، ولا سيّما قطعان الأبقار والأغنام الّتي تمثل مصدر رزق كثيرٍ من السكان”.

وقبل مقال أولمرت هذا، أكدت ورقة تقدير موقف صادرة عن “معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي” ما يلي: 1) تخضع سياسة الحكومة الإسرائيلية في الضفّة الغربية إلى تحوّل سياسي- أيديولوجي واسع؛ فمنذ تشكيلها، وخصوصاً بعد 7/10/2023، تدفع الحكومة الإسرائيلية الحالية نحو تغيير جوهري في النظام القانوني والإداري والمُلكية في المنطقة، ولا يتعلق الأمر بخطوات متفرقة، بل بخطة منظّمة يقودها مسؤولون حكوميون لتوسيع الاستيطان، وترسيخ ملكية الأراضي، وتعميق السيطرة المدنية الإسرائيلية، وإغلاق أي إمكانية لتسوية مستقبلية تقوم على مبدأ “حلّ الدولتين”، مع إضعاف السلطة الفلسطينية، وفي الواقع، تهيئة الظروف لفرض السيادة الإسرائيلية (الضمّ)؛ 2) يشير هذا المسار إلى تغيير عميق في سياسة الحكومة؛ الانتقال من مفهوم “إدارة الصراع” مع الفلسطينيين إلى تبنّي “خطة الحسم” الّتي يروّجها اليمين الأيديولوجي. هذه الخطة، الّتي عرضها الوزير بتسلئيل سموتريتش في عام 2017، تهدف إلى إنهاء الطموحات الوطنية الفلسطينية وتحقيق رؤية “أرض إسرائيل الكاملة”، عبر الضمّ، وفرض السيادة على كامل الضفّة الغربية. وفي إطارها، تُطرَح أمام الفلسطينيين خيارات محدودة؛ الإقامة من دون حقوق سياسية، أو الهجرة، إلى جانب القمع بالقوّة لأيّ مقاومة من جانب مَن لا يتخلى عن طموحاته الوطنية؛ 3) يمكن أن يُعزَّز هذا التوجه أيضاً بفكرة “الأمن المطلق” الّتي ظهرت بعد السابع من أكتوبر، والّتي ترى أن أيّ تهديد يستدعي رداً عسكرياً، مع الحفاظ على حرية العمل العملياتي للجيش، والسيطرة الأمنية الكاملة، في ما يُنظر إلى التهدئة، أو التسوية السياسية، على اعتباره خطراً استراتيجياً.

منذ تشكيل الحكومة الحالية، تكمل إسرائيل بناء البنية التحتية الإدارية للضمّ الفعلي للضفّة الغربية إلى إسرائيل، مع سحب الصلاحيات من الإدارة المدنية وتحويلها إلى هيئة مدنية سياسية تخضع للوزير بتسلئيل سموتريتش

ثالثاً، من الناحية العسكرية الصرف، لم يتعامل الجيش الإسرائيلي مع الضفّة الغربية، وخصوصاً المخيمات في الشمال، جنين وطولكرم ونابلس، على أنّها ساحة أمن داخلية، بل جبهة مواجهة عسكرية كاملة، واستُخدمت فيها القوّة الجوية والمدرعة بكثافة.

رابعاً، أقدمت الحكومة الإسرائيلية على توسيع صلاحيات الرقابة والإنفاذ الهيكلي والهدم لتشمل مناطق (أ) و(ب)، الّتي من المفترض أنها تخضع إلى إدارة السلطة الفلسطينية بموجب اتّفاقيات أوسلو. ويهدف هذا الإجراء إلى تجريد السلطة من أي سيادة متبقية وتحويلها إلى مجرد “بلدية موسعة”.

ومن ناحية عملية، تتلاشى الفروق بين المنطقة (ج) ومناطق (أ) و(ب)، وهو ما يؤدي إلى تآكل سريع للإطار التعاقدي لاتّفاق المرحلة الانتقالية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وإغلاق المسارات الّتي يمكن أن تتيح تسويةً سياسية قائمة على “حلّ الدولتين” في المستقبل.

خامساً، في سياق متصل، أقامت إسرائيل معسكرات ثابتة في المناطق (أ) من الضفّة الغربية، وعلى وجه التحديد كُشف النقاب في يونيو/حزيران الحالي عن إقامة أول قاعدة عسكرية دائمة فوق أراضٍ مصادرة في منطقة “الجابريات” المطلة على مخيّم جنين، في ما اعتبرته بعض التحليلات بمثابة التحول الأخطر، والخطوة الأولى من نوعها منذ توقيع اتّفاقية أوسلو عام 1993. فمنذ عقود، كانت مناطق (أ) تقع تحت السيطرة الأمنية والمدنية الكاملة للسلطة الفلسطينية، وكان دخول الجيش الإسرائيلي إليها يقتصر على اقتحامات مؤقتة وخاطفة. وتحويل هذا التدبير إلى معسكرات ثابتة ودائمة، يعني من ضمن أمور أخرى أن الجيش يستعد لإقامة طويلة الأمد ومستمرة داخل المدن الفلسطينية الرئيسية، مكرساً مبدأ حرية العمل العسكري المطلق من دون قيود جغرافية. ولا تخفي المؤسسة الأمنية أن الهدف التكتيكي من هذه العملية هو السيطرة المباشرة على مخيّمات الشمال، ومنع نمو خلايا مسلحة جديدة، من خلال فرض رقابة استخباراتية وعسكرية دائمة، وبالمشاهدة المباشرة، مما يتيح إمكانية التدخل الفوري، والسيطرة النارية لإحباط وتفكيك أي أنوية مسلحة قبل تشكلها، ومنع المخيّمات من استعادة عافيتها بعد موجات التدمير والتهجير الواسعة الّتي تعرضت لها.

ينبغي أن نشير هنا إلى أنه في مارس/آذار 2023 ألغى الكنيست الإسرائيلي قانون “فك الارتباط” الصادر عام 2005، وهو الإلغاء الّذي شرعن العودة الفعلية للمستوطنين في الآونة الأخيرة، وإنشاء بؤر استيطانية في مواقع المستوطنات الأربع الّتي أخلاها أرييل شارون سابقاً في محيط جنين. وبموجب ما يروج أقطاب الحكومة الإسرائيلية فإن البؤر الاستيطانية الجديدة تحتاج إلى حماية عسكرية مكثفة كونها تقع في محيط فلسطيني شديد الاكتظاظ. و تهدف إقامة معسكر ثابت للجيش الإسرائيلي إلى تأمين العمق اللوجستي والأمني لتثبيت هذه المستوطنات وضمان عدم استهداف المستوطنين.

عموماً، تظهر المؤشرات المستجدّة أن الضفّة الغربية باتت الجبهة الّتي تحاول إسرائيل من خلالها حسم الصراع والسيطرة على الأرض.

وعند تحليل السلوك الاستراتيجي والسياسي لإسرائيل في الضفّة الغربية خلال الفترة الراهنة من عام 2026، وتحديداً أعقاب عدم تحقق أهداف الحرب الإستراتيجية تجاه إيران (مثل تقويض النفوذ الإقليمي الإيراني أو تفكيك شبكة حلفائها بالكامل)، تبرز مؤشراتٌ عدّة مترابطة تعكس كيف تحولت الضفّة الغربية إلى ساحة أساسية “للتعويض الاستراتيجي” عن عدم القدرة على تغيير النظام الإقليمي بالقوة، ناهيك عن تثبيت الوقائع على الأرض. مع ذلك، فإن هذه السياسة من شأنها وضع إسرائيل أمام معضلة تعمق واقع الأبارتهايد، وأمام تصاعد الانتقادات الدولية، مما قد يفرض القضية الفلسطينية مجدداً على الأجندة الدولية رغماً عن الإرادة الإسرائيلية.