لم تعد تقارير المندوبية السامية للتخطيط مجرد أرقام صماء تضاف إلى الأرشيف؛ فتقريرها الأخير الصادر بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة تشغيل الأطفال كشف عن “جرح غائر” في جسد المجتمع المغربي: 103 آلاف طفل تتراوح أعمارهم بين 7 و17 سنة لا يعرفون من الطفولة سوى “سوق الشغل”. إنها ليست مجرد إحصائية، بل هي إدانة جماعية لسياسات اجتماعية فشلت في حماية أضعف فئات المجتمع، وجعلت من العمل القسري للأطفال حلاً اضطرارياً للفقر.
خريطة الوجع: قسوة الأرياف وخطورة المهام
التقرير يرسم صورة قاتمة تعكس تفاوتاً طبقياً وجهويا صارخاً:
الريف هو الخزان: 2.4% من أطفال الوسط القروي يرزحون تحت وطأة العمل، مقابل 0.5% في الوسط الحضري، وهو ما يؤكد أن التنمية لم تصل بعد إلى أعماق البوادي التي لا تزال تستخدم أطفالها كـ “قوة عاملة” بدلاً من إرسالهم للمدارس.
خطر محدق: الصدمة الأكبر ليست في الأرقام الإجمالية فحسب، بل في أن 59 ألف طفل يزاولون “أعمالاً خطرة”. هذا يعني أن أكثر من نصف هؤلاء الأطفال يعيشون في ظروف صحية ونفسية وجسدية تدمّر مستقبلهم قبل أن يبدأ.
التسرب المدرسي: النسبة الصادمة (88% من الأطفال العاملين غادروا مقاعد الدراسة) تثبت أن المدرسة العمومية في المغرب فقدت جاذبيتها وقدرتها على احتضان الأطفال من الأسر الهشة، لتصبح “الشارع” أو “الحقل” أو “الورشة” هي الفصل الدراسي البديل.
عز العرب الحلو: “الوقاية تبدأ من الأسرة”
في قراءة تحليلية لـ “عز العرب الحلو”، رئيس الجمعية الوطنية لحماية الطفولة، يتضح أن المقاربات الأمنية أو الزجرية لن تحل الأزمة. الحل — كما يقترح — يكمن في إصلاح بنيوي يعيد الاعتبار للأسرة:
دفتر التحملات الاجتماعي: يقترح الرجل فكرة رائدة: إلزام الجمعيات بمواكبة 100 أسرة في محيطها الجغرافي، لا بتقديم الإحسان، بل بتقديم الوساطة، الاستشارة القانونية، والدعم التربوي لمنع الطفل من التسرب المدرسي قبل وقوعه.
الوقاية المبكرة: إن ربط 73 ألف أسرة بهشاشة الدخل وضعف المستوى التعليمي لرب الأسرة يعني أن المغاربة يحتاجون إلى سياسات “دخل كرامة” و”دعم تربوي” موجه لهذه الأسر، وليس فقط حملات توعية موسمية.
رسالة إلى حكومة المخزن: الطفولة ليست للبيع
إن الأرقام التي أوردتها المندوبية السامية للتخطيط هي وثيقة إدانة لكل استراتيجية تدعي محاربة الفقر بينما تسمح لـ 103 ألف طفل بأن يقتاتوا من عرق طفولتهم.
هل الدولة غافلة المخزن؟ لا يمكن لعاقل أن يصدق أن الدولة لا تعرف أين يوجد هؤلاء الأطفال. المشكلة ليست في الجهل، بل في الارتهان لنموذج اقتصادي لا يضع الإنسان، والطفل تحديداً، كأولوية في مركز التنمية.
المسؤولية مشتركة: القضاء على تشغيل الأطفال ليس مسؤولية وزارة واحدة، بل هو اختبار لصدق “الدولة الاجتماعية”. فبدون تعليم جودة، ودعم حقيقي للأسر الفقيرة، ومحاربة صارمة للعمل الخطير في الورشات والمزارع، ستظل هذه الأرقام تتصاعد.