اخبار

على ضفاف المسيسيبي

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
على ضفاف المسيسيبي

في حوار أجرته معه ديبرا كاستيّو، قال الروائي المكسيكي كارلوس فوينتس، إنه لا يتخيل الحياة بلا أدب، وضرب مثلاً بـ»دون كيخوته»؛ الذي رغم كونه شخصية خيالية لم توجد يوماً في عالمنا، إلا أنه حاضر في وجداننا أكثر من أي شخص حقيقي عاش عام 1605. أتفق مع فوينتس، لكنني لم أستوعب ما يقصده تماماً إلا حين رأيت نهر المسيسيبي لأول مرة في خريف 2023، خلال مشاركتي في برنامج الكتابة الدولي في جامعة أيوا الأمريكية.
كنا في الطريق من أيوا سيتي إلى شيكاغو، وما إن عبرنا النهر حتى بدا لي مهيباً، منتمياً إلى ملكوت الأدب أكثر من انتمائه إلى الواقع. تأملته من نافذة الحافلة والتقطتُ صوراً له وللنباتات على ضفتيه؛ فغابت اللحظة الواقعية ووجدتُ نفسي رفقة توم سوير وهكلبري فِن، كأنهما أكثر حقيقية من رفاق رحلتي.
في طفولتي، قرأتُ «مغامرات توم سوير» ثم «مغامرات هكلبري فِن» لمارك توين، ووقعتُ في غرام الكتابين فوراً، وما أزال أذكر ذلك الأثر المُسكِر الذي تركاه في نفسي. اعتبرتُ البطلين الصغيرين رفيقَيّ طفولة، وتمنيت لو أنهما شاركاني مغامراتي الاستكشافية على ضفاف النيل، أو لو استطعتُ بمعجزةٍ ما مشاركتهما مغامراتهما في وادي المسيسيبي.
كانت الحافلة على مشارف إلينوي القريبة من ميزوري؛ حيث بلدة سانت بطرسبرج مسقط رأس بطلَيّ مارك توين. نظرتُ إلى المسيسيبي مرة أخرى ونحن نبتعد عنه، وتساءلت: هل لا تزال «جزيرة جاكسون» في مكانها، تطل على إلينوي من جهة وعلى ميزوري من أخرى، وتبعد عن سانت بطرسبرج ثلاثة أميال؟ تلك الجزيرة كانت ملجأً للصديقين ومسرحاً لمغامراتهما.
أبصرتُها بعينَي خيالي وذاكرتي معاً، فبدت لي فضاءً منتمياً لحياتي الواقعية لا لقراءاتي وحدها: جزيرة نهرية طويلة وضيقة، غير مأهولة، تقع عند شاطئ متاخم لغابة كثيفة.
رغب توم سوير في أن يكون قرصاناً مقيماً على هذه الجزيرة، رفقة هكلبري فِن وجو هاربر. واستوحى أسماءهم كقراصنة من أعماله الأدبية المفضلة، فأطلق على نفسه لقب «المنتقم الأسود للبحر الإسباني»، وعلى جو هاربر «مُرهِب البحور»، وهكلبري فِن «أحمر اليدين».
بصفتي قارئة نهمة منذ صغري، راقني تقدير توم سوير للكتب، فما لم يرد فيها ليس موجوداً بالنسبة له. لم ألحظ حينذاك أوجه الشبه بين توم سوير ودون كيخوته، لكنني تنبهت لذلك حين أعدتُ قراءة روايتَيّ مارك توين بعد سنوات، فالتشابه بين هاتين الشخصيتين الفنيتين أعمق من أن يكون عابراً. فلو قُدِّر لي تخيُّل طفولة دون كيخوته، لرأيتها في توم سوير؛ فهو صنو له، لكن في هيئة طفل ذكي ومشاكس ومتلاعب.
يكمن وجه الشبه الأكبر بينهما في تقديرهما الفائق للكتب، وإدراك العالم من خلال الكلمة المكتوبة، لا التجربة المعيشة، فضلاً عن إيمان كل منهما المطلق بما قرأه دون مساءلة، ما دفعهما إلى ارتكاب حماقات مثيرة للسخرية. فبينما سعى دون كيخوته لاستعادة عصر الفروسية الذهبي، أرادت نسخته المصغرة توم سوير عيش حياة القراصنة المحفوفة بالأخطار، مستلهماً تفاصيلها من كتب وقع في غوايتها. ثم سرعان ما أراد أن يغدو قاطع طريق، معللاً ذلك بأنه: «لا يوجد من هم في مثل أدب اللصوص، ستجد ذلك في أي كتاب».
وفي «مغامرات هكلبري فِن» يواصل توم سوير استقاء معارفه من الكتب التي استرشد بها لتحقيق حلمه بتكوين عصابة من قطاع الطرق، تعترض القوافل والعربات، وتقتل الناس وتستولي على أموالهم، وتأخذ بعضهم رهائن في الكهف وتطلب فدية. وحين يُسأل عن أي تفصيل في مخططاته، يجيب بأن هذا ما يفعلونه في الكتب، وبالتالي ما ينبغي فعله. تمثل الكتب بالنسبة لتوم سوير دليلاً لاستخدام الحياة، فهو يؤمن بأن مؤلفيها يمتلكون الحقيقة المطلقة، ولا يمكن لأحد سواهم إضافة شيء ذي قيمة. لذا، حين يتلقى رصاصة في ساقه، تغمره السعادة رغم الألم؛ فقد نال مغامرته المنشودة، وأصبح جديراً بالانضمام إلى مصاف أبطال الروايات القادرين على اجتراح البطولات ومرافقة المخاطر. لا يهمه إن كان افتتانه بالروايات وأبطالها قد قاده إلى الحماقة، أو عقَّد مشكلاته بدلاً من حلها، فما همه فعلاً أن يحيل الحياة إلى فن.
أما هكلبري فِن، فقد عركته الحياة وأنضجته تجاربها القاسية قبل أوانه، وأثبت مرارا، على مدار الروايتين، ألمعيته وقدرته على تجاوز أصعب المآزق بالحيلة والذكاء، ورغم ذلك، يرى في توم سوير القائد والقدوة، لِما يمتلكه الأخير من معارف واسعة، وقدرة على إضفاء طابع جذاب على كل أفعاله.
عند المقارنة بين الصديقين، نجد أن توم ينتمي إلى النظام الاجتماعي القائم، حتى إن شاكسه وتمرد عليه من وقت لآخر، بينما يمثل هاك فِن «اللامنتمي» بامتياز، فهو ابن العراء الذي يتكوم على نفسه في البراميل، ويلتقط ما يقتات عليه من القمامة. يرتدي الأسمال ويربكه الاهتمام والمحبة. وحين اُحتضِن داخل المنظومة المجتمعية، بعد عثوره على الكنز مع توم، وجد في آداب المائدة وسلوكيات المجتمع «المتحضر» قيداً سعى للافلات منه.
يعيش هكلبري فِن على التخوم، مبحرا في المسيسيبي من ضفة إلى أخرى ومن بلدة إلى تاليتها صوب الجنوب، ملتقياً بغرباء ومحتالين ومجرمين. يساعد العبد الآبق «جيم» في رحلة هروبه، فيتعلَّم مراجعة تصوراته وأفكاره المسبقة عن الآخر؛ إذ بدأ الرحلة مؤمناً بصور نمطية عن السود، لكن هذا الإيمان تخلخل بفعل التجربة والمعايشة. بعبارة أخرى، هاك فِن هو ابن الترحال والحركة؛ يملك ضميراً فطرياً يدفعه لاتخاذ خيارات أخلاقية يدفع ثمنها، ولا يجد غضاضة في التعلم من الآخرين وفي مقدمتهم توم، لكنه على النقيض منه، ينحاز للحياة الواقعية، ولا يكاد يعرف عن الكتب سوى ما سبق وسمعه من صديقه. وإن حدث واقتبس شيئاً منها، ينسبه سهوا إلى الواقع؛ إذ يخلط بين هنري الثامن وشهريار، زاعماً أن الملك الإنكليزي يتزوج فتاة جديدة كل ليلة، ويقطع رقبتها في الصباح التالي، ويطلب من كل واحدة منهن أن تحكي له حكاية كل ليلة، حتى أُتخم بألف حكاية وحكاية!
فأخبار الكتب وأبطالها بَلَغته شفاهيا مغبشة بما يرسِّخ جهله ويؤكد تبحر توم في الثقافة؛ فمثلاً حين يخبره الأخير، وهما في الغابة، عن وجود عرب وإسبان في الجوار، يرد مستفسراً: «لماذا لم أبصرهم إذن؟»، فتأتيه الإجابة بأنه لو لم يكن بهذا القدر من الجهل، وقرأ كتاباً عنوانه «دون كيخوته»، لَعرف الجواب، من دون حاجة للسؤال.
هكذا، وجَّه مارك توين إيماءة تقدير عابرة للزمن إلى ثربانتس وبطله، مبيناً أن التشابه بين «توم سوير» و»دون كيخوته» تناص مقصود، وموضحاً في الوقت نفسه كيف تموهت في ذهن عاشق الكتب الصغير الحدود بين الفن والواقع، وبين ثمار المخيلة ومفردات الحياة.
ومثل توم سوير، يضمر كل عاشق للقراءة شيئاً من سمات «دون كيخوته» في داخله. لكنه يفلت من الحماقة إن قرأ بعين نقدية، ودمج بين خبراته الحياتية ومعارفه المكتسبة من الكتب. ويغرق في تلك الحماقة إن انسحر بما يقرأ، من دون إعمال العقل.
لذا لم أدر ظهري للمسيسيبي الحقيقي وعزَّزته بنسخته الأدبية – التي سكنت مخيلتي منذ الطفولة – كأنني أمزج نهجَيّ توم سوير وهكلبري فِن معاً، فالأدب يثري الحياة ولا يلغيها.

كاتبة مصرية