بعد شهور من التكهنات والضغوط والإصرار على البقاء في المنصب، أعلن
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر تنحيه عن زعامة حزب العمال الحاكم ورئاسة الحكومة. وبذلك دخل الحزب مرحلة غير مسبوقة من التغيير السياسي، خاصة أن الحكومة تواجه تحديات اقتصادية وسياسية بالغة، مما يصبح استشراف ملامح المرحلة المقبلة هو الشغل الشاغل للبريطانيين. فهل تنحي ستارمر سيفتح الطريق لانتقال سلس لزعامة الحزب والسلطة؟
هناك سعي داخل حزب العمال لإظهار وحدة الحزب، فالصورة الخاصة بالحزب أمام الشعب البريطاني وأمام الأحزاب الأخرى، تُعد مهمة جدا في المرحلة الراهنة
على الرغم من أن باب الترشيح لمن يخلف ستارمر سيفتح للفترة من 9 ـ 16 يوليو/تموز القادم، لكن التكهنات بدأت تشير إلى أندي بيرنهام المُلقّب (ملك الشمال)، حيث يحظى بشعبية كبيرة هناك، وهو معروف في أوساط حزبه وكان منافسا قويا على رئاسة الحزب، ودائما يأتي بالمرتبة الثانية في الانتخابات الحزبية. وقد حظي بمنصب عمدة مدينة مانشستر، التي لديه فيها شعبية كبيرة، بسبب عمله على ملفات الحياة اليومية للناس، ولديه سياسة مميزة فيها الكثير من المزج بين القطاع العام والقطاع الخاص. وهذا يُعد نجاحا كبيرا خاصة عندما يتحدث عن إعادة السيطرة على بعض الشركات من قبل القطاع العام. يضاف إلى ذلك شعبية حزبية كانت صورتها واضحة جدا، في الاستقبال الذي حظي به من قبل حوالي 200 نائب في البرلمان، حين أدى القسم في البرلمان بعد أن جدد عضويته فيه مؤخرا. فهل كل تلك العناصر تمهد الطريق له كي يتولى زعامة الحزب والحكومة؟ يبدو أن جميع المؤشرات تقول بذلك، فحتى لو نظرنا إلى المنافس الأساسي لبيرنهام وهو وزير الصحة، الذي كان أول الداعين لاستقالة ستارمر، ودعوته الصريحة للمنافسة على منصب الزعامة في الحزب وليس تتويج شخص واحد، فاجأ الجميع ببيان يقول فيه صراحة، إنه يؤيد تتويج بيرنهام، وإن على الحزب أن يقف وراءه بشكل كامل وأن يدعمه. ومع ذلك من الصعب الجزم الآن بأن أندي بيرنهام هو من سيكون زعيما للحزب والبلاد، واليقين من ذلك سيكون عند فتح باب الترشيح، وفي ما إذا سيخرج منافس له على الزعامة من عدمه. لكن هناك سعيا داخل حزب العمال لإظهار وحدة الحزب، عكس حزب المحافظين الذين تعصف بهم الانقسامات سعيا على الزعامة. فالصورة الخاصة بالحزب أمام الشعب البريطاني وأمام الأحزاب الأخرى، تُعد مهمة جدا في المرحلة الراهنة. وربما هذا هو السبب وراء دعم وزير الصحة لبيرنهام. ربما أنجيلا راينر قد تدخل المنافسة، وهي من الوجوه البارزة داخل الحزب، ومن أقوى السياسيين ولها قاعدة شعبية، لكن حرص الحزب على وحدته الداخلية، كي لا يضطر إلى الدعوة لانتخابات عامة مبكرة، ربما ستكون هي الكابح لها في عدم الترشح.
هناك تساؤل آخر برز إلى السطح بعد الحديث عن احتمالية تولي أندي بيرنهام زعامة الحكومة المقبلة، وهو ما يتعلق بالسياسة التي يمكن أن ينتهجها، فهو معروف على صعيد السياسة البريطانية، لكن ليست من المعروف شخصيته السياسية على وجه التحديد. كان بيرنهام نائب توني بلير سابقا، وعندما تولى غولد بروان رئاسة الحكومة كان داعما لسياساته، ثم اقترب من النهج اليساري لزعيم الحزب السابق كوربن، وبقي على جبهة اليسار. لذلك هو يتبنى فكرة استعادة سلطة الدولة على بعض المرافق الحيوية الخدمية، لكن هل سيحترم بيرنهام وعود حزب العمال، عندما فاز بالانتخابات التشريعية قبل سنتين، بعد 14 عاما من ابتعاده عن الحكم، أم أنه سيغادر تلك الوعود الانتخابية؟ هذا ما سيُعرف لاحقا. لكن ربما إذا أعلن أجندته السياسية قبل موعد الترشيحات، فقد نشهد بروز مرشحين آخرين أمامه. أما إذا احتفظ بذلك لحين وصوله إلى سدة الحكم، فربما ستتم السيطرة على الخلافات لحد كبير حتى إن برزت حينها.
لا شك في أن السياسات الداخلية هي الشغل الشاغل للناس في المملكة المتحدة، وهو ما دفع قطاعا عريضا من نواب حزب العمال للمطالبة بالتغيير، وما يعلمه الناس ليس أكثر مما يعلمونه عن سياسات بيرنهام، لكن الخطوط العريضة التي تبدو حتى الآن، وبسبب يساريته، فهو يدعم الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وإعادة سيطرة القطاع العام على البنى التحتية الخدمية وشركات الماء والكهرباء. أما في سياسات الهجرة فلن تشهد تغييرا كبيرا، وهو ما سيرضي بعض الأصوات التابعة للحزب. فهذا الملف كان أحد أسباب الصراع للحكومات المختلفة، بسبب فشل السيطرة على الهجرة غير الشرعية القادمة من أوروبا، لكن ربما سيكون هنالك تغيير في الحياة اليومية للبريطانيين المنهكين من اقتصاد مأزوم، والذين لهم أولويات أربع هي: الصحة، الضرائب، الهجرة، والسكن. أثناء وجوده عمدة لمانشستر نجح بيرنهام في ثلاث من هذه الأولويات، لكن الضرائب ليس لديه خبرة فيها بسبب عدم اشتغاله عليها سابقا.
أما السياسة الخارجية، التي لا تحظى باهتمام الأوروبيين عموما، فإن أبرز قضية ستواجه بيرنهام في هذا المجال هي العلاقة مع الاتحاد الاوروبي. لقد كان من أشد الحريصين على البقاء في الاتحاد الأوروبي ويومها قال، ما كان ينبغي لبريطانيا الخروج، لكن بعد ذلك قال إنه لن يغير السياسة في هذا الملف. وعليه سيبقى السؤال كيف ستكون العلاقة مع الاتحاد الأوروبي في عهده؟ هل سيسير وفق توجهات ستارمر نفسها بالمزيد من التقارب مع الاتحاد، أم سيتخذ صيغا أخرى في التجارة والهجرة وحرية التنقل؟ لكنه يعلم جيدا أن البريكست هو أحد أسباب الفوضى السياسية، التي تعصف بالحياة البريطانية. ولو نظرنا إلى عدد رؤوساء الوزارات الذين سقطوا منذ الخروج، يتبين لنا تأثير ذلك القرار على السياسة في هذا البلد. لا شك في أن الأوروبيين كذلك يسعون إلى علاقات أخرى مع بريطانيا، ربما العودة إلى حرية التنقل، وتبادل التجارة، والتعاون العسكري بعيدا عن الولايات المتحدة. طبعا دعم أوكرانيا في الحرب ضد روسيا لن يتغير أيضا. أما بالنسبة للعلاقة مع العالم العربي فلا مواقف معروفة لبيرنهام.
أيضا في السياسة الخارجية سيكون هنالك سؤال مثير عن ما ستكون عليه علاقة بيرنهام بالرئيس الأمريكي، خاصة أن ترامب كان قد انتقد ستارمر عدة مرات، رغم أن الاخير كان محافظا على التوازن في العلاقة معه، واستطاع أن يستميله في كثير من المواقف. ربما أن العلاقة مع ترامب ستحددها صفات بيرنهام الشخصية، فهو يساري النزعة، لديه الكثير من الكاريزما، ويتحدث من دون وجل بما يفكر فيه. لذا ستكون علاقته بترامب محط الأنظار.
كاتب عراقي