كان السبب الرئيس لهذه التصفية الداخلية والواسعة التي جرت بين يومي 30 يونيو و2 يوليو 1934، وأُطلق عليها الاسم الرمزي “الطائر الطنان”، هو صراع عنيف بين قيادة قوات العاصفة من جهة، وجيش النظام وقوات أمن الحزب النازي وعلى رأسها قوات الأمن النازية الخاصة “إس إس” بقيادة هاينريش هيملر من جهة أخرى.
بحلول منتصف عام 1934، بلغ عدد قوات العاصفة التي تأسست كتيبتها الأولى في صيف عام 1921، حوالي 4 ملايين جندي، في حين لم يتجاوز عدد جنود الجيش النظامي الألماني، المحدد بموجب بنود معاهدة فرساي، 100 ألف جندي.
سعت قيادة العاصفة للهيمنة المطلقة، واقترح قائدها إرنست روم حلّ الجيش النظامي وإقامة “ميليشيا شعبية” على غرار قواته، واعتبر الجيش النظامي تهديدا للدولة ومصدرا محتملا للانقلاب.
علاوة على ذلك، دعا رئيس أركان قوات العاصفة إرنست روم إلى ثورة “اشتراكية” ثانية، الأمر الذي أخاف نخبة الحزب النازي والجيش والصناعيين الكبار. عند تلك النقطة، قرر هتلر أن هذا التهديد أصبح جديا وكبيرا جدا، ولم يعد ممكنا تجاهله.

كان هتلر في نفس الوقت يخشى أن يتدخل جنرالات الجيش المحافظون في خططه للاستعداد للحرب، وللسيطرة عليهم بشكل تام، وعدهم بالحد من قوة وحدات العاصفة، مقابل حصوله على قسم الولاء بعد عملية التطهير.
أُعدت مسبقا قوائم سوداء للخصوم المستهدفين، وجرى في جميع أنحاء ألمانيا تشكيل “فرق إعدام” من قوات الأمن الخاصة والشرطة النازية السرية “الغستابو”، وقوات “إس إس”.
بدأت حملة التطهير في 30 يونيو 1934 باعتقال رئيس أركان قوات العاصفة وعدد من مساعديه أثناء اجتماعهم في أحد فنادق “باد ويسي”، وهي بلدة ريفية تقع في ولاية بافاريا في جنوب ألمانيا، وزُج بهم في السجن فورا.
في الوقت نفسه، قامت فرق الإعدام في عدة مدن ألمانية باعتقال ما تبقى من قيادات العاصفة واقتيادهم إلى ثكنات خاصة حيث جرى إعدامهم رميا بالرصاص. أما زعيم قوات العاصفة، إرنست روم، فقد طُلب منه الانتحار بعد اعتقاله، ومُنح مسدسا به طلقة واحدة. حين لم يفعل بعد مرور 15 دقيقة، قام أحد الضباط بإطلاق النار والإجهاز عليه.
استمرت عملية “الطائر الطنان” للتخلص من الشخصيات التي عدّها هتلر وحاشيته خطرا عليهم، حتى 2 يوليو 1934، وتوقفت حينها بأمر مباشر من هتلر، وفي نفس اليوم، أُحرقت جميع الوثائق المتعلقة بالعملية لمحو أي أثر لها.
أما بالنسبة لعدد ضحايا “ليلة السكاكين الطويلة” الدقيق، فلا يزال الجدل يدور حولها بقوة، ففي حين كانت بيانات النازيين الرسمية قد أعلنت عن 77 قتيلا فقط، يقول مؤرخون معاصرون إن العدد الفعلي يتراوح بين 150 و200 شخص، بل إن وثائق محاكمات نورمبرغ اللاحقة تحدثت عن أرقام تصل إلى 1076 شخصا، ما يعكس حجم المذبحة الحقيقي.
كان لما أصبح يعرف بـ”ليلة السكاكين الطويلة” عواقب بعيدة المدى على مسار التاريخ الألماني، فقد عززت بشكل كبير سلطة هتلر الشخصية واحتكاره الكامل للقرار السياسي والعسكري، كما أن النازيين أضفوا من خلالها شرعية على عمليات القتل خارج القضاء، وهي أظهرت أيضا بوضوح دموية النظام النازي واستعداده التام لتدمير حتى أقرب حلفائه من أجل احتكار السلطة وترسيخ دعائم حكمه المطلق.
المصدر: RT