اخبار

حرب إيران تسرّع تآكل الطلب على النفط.. والصين تختبر ملامح «الذروة»

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
حرب إيران تسرّع تآكل الطلب على النفط.. والصين تختبر ملامح «الذروة»

لم تعد تداعيات الحرب مع إيران تُقاس فقط بعدد البراميل التي تعطلت صادراتها عبر مضيق هرمز أو بحجم القفزة في أسعار الخام، ففي الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم وأبرز مشترٍ للخام الإيراني، بدأت الصدمة تكشف عن تحول أعمق: المستهلكون باتوا قادرين على تقليص استخدام الوقود الأحفوري من دون أن يبدو الاقتصاد في حالة توقف مفاجئ.

تراجع الطلب الصيني على النفط بما يصل إلى 9% مقارنة بمستوياته قبل اندلاع الحرب، بحسب مذكرة لبنك «جيه بي مورغان» نقلتها شبكة CNN، ويكتسب الرقم دلالة خاصة لأن الانخفاض العالمي في استهلاك النفط خلال الأزمة المالية العالمية في 2008 بلغ نحو 2% فقط، وفق التحليل نفسه.
هذه التطورات لا تثبت بعد أن العالم بلغ «ذروة الطلب على النفط»؛ وهي اللحظة التي يبدأ بعدها الاستهلاك العالمي مساراً هبوطياً مستداماً، لكنها تجعل السؤال أكثر إلحاحاً: هل تحولت حرب إيران من أزمة إمدادات مؤقتة إلى نقطة تسريع لانخفاض دائم في الطلب على الخام؟

الصين تواجه الصدمة بخيارين: المخزونات والكهرباء

استفادت بكين في المرحلة الأولى من الأزمة من مخزوناتها النفطية الكبيرة، التي وفّرت حماية مؤقتة من نقص الإمدادات وتقلبات الأسعار، غير أن المخزونات لا تمثل سوى خط دفاع قابل للنفاد، بينما يبدو التغير في سلوك المستهلكين أكثر أهمية على المدى الطويل.
خلال اليوم الأول من عطلة عيد العمال في مايو أيار، بلغ استهلاك مركبات الطاقة الجديدة للشحن الكهربائي على الطرق السريعة الصينية 23.03 مليون كيلوواط/ساعة، بزيادة 55.6% على العام السابق، وفق بيانات الإدارة الوطنية للطاقة نقلتها وكالة شينخوا، وتجاوز عدد عمليات الشحن 946 ألف عملية، مسجلاً مستوى قياسياً لليوم الأول من العطلة.

وقبل بدء العطلة، قدرت وزارة النقل الصينية أن يبلغ متوسط عدد مركبات الطاقة الجديدة المستخدمة يومياً على الطرق السريعة نحو 15.4 مليون مركبة، بما يعادل 24% من إجمالي حركة المرور، وبزيادة سنوية قدرها 33%.هذه الأرقام توضح كيف باتت السيارة الكهربائية جزءاً من سلوك السفر الاعتيادي في الصين، وليست مجرد بديل حضري محدود الاستخدام، وعندما ترتفع أسعار البنزين أو تتزايد المخاوف بشأن الإمدادات، يصبح التحول إلى التنقل الكهربائي أسرع وأقل كلفة للمستهلك مقارنة بأزمات الطاقة السابقة.كما ساعدت السكك الحديدية على امتصاص جزء من تأثير ارتفاع أسعار وقود الطائرات، وبحسب التحليل الذي نقل عن «جيه بي مورغان»، انخفض الطلب على وقود الطائرات في الصين مع تفضيل عدد أكبر من المستهلكين الرحلات الداخلية عبر القطارات فائقة السرعة بدلاً من السفر الجوي، خصوصاً في الرحلات الأقصر مسافة.

الطلب العالمي يتراجع.. لكن النفط لم يفقد ضرورته

تتجاوز الإشارات الصين، فقد خفضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها للطلب العالمي على النفط في 2026 بصورة حادة مع اتساع أثر الحرب وارتفاع الأسعار وتعطل حركة الطاقة عبر مضيق هرمز.وتتوقع الوكالة انكماش الطلب العالمي بمقدار 420 ألف برميل يومياً على أساس سنوي خلال 2026، ليبلغ نحو 104 ملايين برميل يومياً، وهو مستوى يقل بمقدار 1.3 مليون برميل يومياً عن تقديراتها السابقة للحرب.ومن المرجح أن يظهر الأثر الأكبر خلال الربع الثاني من العام، إذ تتوقع الوكالة انخفاض الطلب بنحو 2.45 مليون برميل يومياً مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وتتركز الخسائر حالياً في قطاعي الطيران والبتروكيماويات، قبل أن تمتد تدريجياً إلى استهلاك الوقود مع بقاء الأسعار مرتفعة وتباطؤ البيئة الاقتصادية.ويأتي هذا التحول بينما لا تزال أزمة الإمدادات قائمة؛ فقد قالت وكالة الطاقة الدولية إن حركة الطاقة عبر مضيق هرمز توقفت بصورة شبه كاملة بسبب الصراع، ما وضع ضغوطاً على تجارة النفط والغاز والمنتجات المكررة القادمة من دول الخليج وإيران.وفي تعاملات الأربعاء 3 يونيو حزيران، ارتفع خام برنت إلى نحو 97.41 دولار للبرميل، فيما صعد الخام الأميركي غرب تكساس الوسيط إلى 95.15 دولار، مع تجدد التوترات وتعثر المفاوضات الأميركية الإيرانية، بحسب رويترز.المعادلة الجديدة تبدو أكثر تعقيداً من مجرد نقص في المعروض: فالحرب ترفع الأسعار بسبب الإمدادات المفقودة، لكنها في الوقت نفسه تدفع المستهلكين والشركات إلى تقليص الاعتماد على النفط أو البحث عن بدائل دائمة.

صدمة تشبه 1973.. لكن أدوات الاستجابة تغيرت

تحمل الأزمة الحالية أصداء صدمة النفط في 1973 و1974، عندما فرض أعضاء عرب في منظمة الدول المصدرة للبترول حظراً نفطياً على الولايات المتحدة ودول أخرى دعمت إسرائيل خلال حرب أكتوبر.أحدث الحظر آنذاك تحولاً مؤسسياً عميقاً، فقد أُنشئت وكالة الطاقة الدولية في 1974 لتنسيق استجابة الدول المستهلكة لصدمات الإمدادات. وفي الولايات المتحدة، أدى الحظر إلى إنشاء الاحتياطي البترولي الاستراتيجي بموجب قانون صدر في 1975، إضافة إلى تشديد معايير كفاءة الوقود وفرض حد أقصى اتحادي للسرعة بلغ 55 ميلاً في الساعة للحد من الاستهلاك.الفارق في 2026 أن المستهلك لا يعتمد فقط على تقليل الرحلات أو القيادة بسرعة أبطأ؛ ففي الصين وأجزاء من أوروبا، باتت السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والسكك الحديدية خيارات قائمة بالفعل، ويمكن توسيع استخدامها بسرعة أكبر عندما تصبح كلفة النفط أكثر إيلاماً.وقالت ناتاشا كانيفا، رئيسة استراتيجية السلع لدى «جيه بي مورغان»، إن التاريخ يشير إلى أن الصدمات النفطية السابقة خلّفت في كثير من الأحيان انخفاضات مستدامة في الطلب على البنزين، وإن الصدمة الحالية قد لا تكون مختلفة.

أوروبا تستفيد من تحولها.. وأميركا تتأخر

يمتد نمط التحول إلى أوروبا، حيث ساعد انتشار السيارات الكهربائية والهجينة والاستثمارات السابقة في طاقة الرياح والطاقة الشمسية على جعل صدمة النفط أكثر قابلية للاحتواء مقارنة بأزمة الطاقة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022، بحسب «جيه بي مورغان».أما في الولايات المتحدة، فتبدو الصورة أقل وضوحاً، فقد تراجع الدعم السياسي لسياسات تشجيع السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، وهو ما قد يبطئ قدرة المستهلك الأميركي على التحول بعيداً عن الوقود التقليدي إذا استمرت الأسعار المرتفعة.ولا يعني ذلك أن الطلب الأميركي أو العالمي على النفط سيتراجع سريعاً؛ فالطائرات والبتروكيماويات والشاحنات الثقيلة وجزء كبير من الصناعة لا تزال تعتمد على الخام ومشتقاته، كما أن إعادة فتح مضيق هرمز قد تطلق موجة شراء لإعادة ملء المخزونات الحكومية والتجارية المستنزفة.

هل بلغ العالم ذروة النفط؟

لا يزال من المبكر إعلان أن العالم بلغ ذروة الطلب على النفط؛ فالإغلاق المستمر لمضيق هرمز خلق ظرفاً استثنائياً، وقد يستعيد جزءٌ من الطلب قوتَه إذا انخفضت الأسعار وعادت الإمدادات إلى التدفق بصورة طبيعية.لكن ما قد لا يعود هو كل تلك الرحلات التي انتقلت بالفعل من البنزين إلى الكهرباء، أو من الطائرات إلى القطارات، أو من الوقود الأحفوري إلى مصادر طاقة أقل تعرضاً لصدمات الشرق الأوسط.تكمن أهمية التجربة الصينية في أنها تقدم اختباراً واقعياً لما يمكن أن يحدث عندما تواجه أكبر دولة مستوردة للنفط صدمة إمدادات تاريخية، لكنها تمتلك في الوقت نفسه بدائل نقل وطاقة واسعة النطاق.وبهذا المعنى، قد لا تكون حرب إيران قد أعلنت نهاية عصر النفط، لكنها ربما سرّعت بداية مرحلة جديدة: اقتصاد عالمي يظل محتاجاً إلى الخام، لكنه أقل استعداداً للعودة إلى مستويات الاعتماد القديمة عليه كلما تعرضت الأسواق لصدمة جديدة.( ديفيد غولدمانCNN)