إذا كانت النسخة السابقة من كأس العالم في قطر تُعرف بـ “المونديال المدمج”، حيث كان بإمكان المشجع واللاعب التنقل بين الملاعب عبر المترو في دقائق معدودة، فإن كأس العالم 2026 في أمريكا الشمالية هو بلا شك “مونديال المسافات العابرة للقارات”.
القارة الشاسعة التي تتقاسمها الولايات المتحدة، المكسيك، وكندا، تضع محاربي الصحراء أمام تحدٍ لوجستي وبدني غير مسبوق، ليتحول معسكر المنتخب الجزائري إلى خلية نحل تعمل على مدار الساعة لبرمجة رحلات الطيران ومواعيد التعافي!
من الدوحة إلى أمريكا.. صدمة الجغرافيا والمناطق المقسمة
اعتمد الاتحاد الدولي لكرة القدم، فيفا، في هذه النسخة نظام تقسيم الملاعب إلى ثلاث مناطق جغرافية رئيسية (الشرق، الوسط، والغرب) لتقليل حجم الكارثة اللوجستية وتجنب الطيران عبر القارة بأكملها في دور المجموعات.
مع ذلك، فإن مجرد التنقل داخل المنطقة الواحدة (على سبيل المثال، السفر بين مدن مثل هيوستن ودالاس أو نيويورك وفيلادلفيا ومونتيري) يعني قطع مئات وربما آلاف الكيلومترات جوًا.
هذا التحول الجذري يجعل رحلة المنتخب الجزائري أشبه بـجولة غنائية لفرقة روك عالمية؛ حيث يضطر اللاعبون لحزم حقائبهم، ركوب الطائرات، تغيير الفنادق، والاعتياد على أجواء جديدة كل بضعة أيام، وهو ما يخلق معادلة معقدة ذات وجهين.
خريطة الرعب.. آلاف الكيلومترات في أقل من أسبوعين
وصل منتخب الجزائر إلى الولايات المتحدة وهو يعلم يقينًا أن رحلته في دور المجموعات لن تكون سهلة داخل الملعب أو خارجه، إذ تنتظره تنقلات طويلة وشاقة بين عدة ولايات أمريكية.
تُظهر خريطة الرحلات أن الخضر سيقطعون مسافات هائلة ذهابًا وإيابًا خلال أقل من أسبوعين؛ فالمسافة الجوية بين مدينة كانساس سيتي ومنطقة خليج سان فرانسيسكو تقترب من 2400 كيلومتر، قبل أن يضطر الفريق لقطع الرحلة نفسها تقريبًا في الاتجاه المعاكس.
ويأتي جدول “محاربي الصحراء” مليئًا بالتحديات، حيث يبدأ المشوار بمواجهة نارية، تتخللها رحلات طيران مرهقة:
المحطة الأولى: افتتاح المشوار بمواجهة منتخب الأرجنتين يوم 17 يونيو على ملعب كانساس سيتي في ولاية ميزوري.
المحطة الثانية: شد الرحال لقطع نحو 2400 كيلومتر باتجاه منطقة خليج سان فرانسيسكو (سانتا كلارا) بولاية كاليفورنيا لمواجهة المنتخب الأردني الشقيق يوم 23 يونيو.
المحطة الثالثة: العودة مجددًا بقطع 2400 كيلومتر أخرى إلى كانساس سيتي لخوض المباراة الثالثة والحاسمة أمام النمسا يوم 28 يونيو.
الجانب المظلم للمونديال الطائر: إرهاق وعضلات لاعبو منتخب الجزائر تحت الاختبار
سيقضي المنتخب الجزائري ساعات طويلة في السفر والتنقل، وهو عامل قد يلعب دورًا مهمًا في سباق التأهل من هذه المجموعة القوية. وتتمثل أبرز أضرار هذه المسافات في:
الإرهاق واختلاف التوقيت (Jet Lag): السفر بين وسط أمريكا (ميزوري) والغرب الأمريكي (كاليفورنيا) يعني التأقلم المستمر مع فروق التوقيت والظروف المناخية المختلفة، مما يربك الساعة البيولوجية ويؤثر سلبًا على جودة نوم اللاعبين.
تقلص ساعات التدريب الفعلي: الساعات الطويلة التي يقضيها اللاعبون معلقين في الجو أو في التنقل من وإلى الفنادق، تُخصم مباشرة من وقت التدريبات التكتيكية.
خطر الإصابات العضلية: الجلوس لفترات طويلة في الطائرات بعد بذل مجهود بدني خرافي يُبطئ من عملية التعافي، مما يجعل اللاعبين أكثر عُرضة للتشنجات والإصابات العضلية.
View this post on Instagram A post shared by Équipe d’Algérie de football (@lesverts.faf)
الوجه الآخر للعملة.. فوائد خفية في حقائب سفر منتخب الجزائر!
رغم قسوة المسافات، إلا أن هناك جانبًا مشرقًا يمكن لمحاربي الصحراء استغلاله لصالحهم في هذا التنقل المستمر:
كسر الملل وتجديد الشغف: البقاء في معسكر مغلق واحد لأسابيع قد يصيب اللاعبين بالملل أو الضغط النفسي (حمى الكابينة).
الانتقال من مدينة لأخرى وتغيير المناظر والأجواء يساعد على تجديد النشاط الذهني وإبقاء الحماس مشتعلًا.
حشد جماهيري في كل مدينة (الجالية العربية): أمريكا الشمالية تزخر بجاليات عربية وجزائرية ضخمة موزعة في مختلف الولايات.
التنقل بين المدن يعني أن الجزائر ستلعب دور المنتخب المحلي في أكثر من مكان، مما يضمن لهم زئيرًا جماهيريًا مستمرًا في المدرجات.
مرافق استشفاء من كوكب آخر: لتعويض إرهاق السفر، تتميز المعسكرات الرياضية في الولايات المتحدة وكندا بامتلاكها أحدث تقنيات الاستشفاء في العالم (غرف التبريد، العلاج بالأكسجين، وأجهزة التدليك المتقدمة)، وهو ما سيتوفر لنجوم الجزائر لضمان جاهزيتهم الفورية.
View this post on Instagram A post shared by Équipe d’Algérie de football (@lesverts.faf)
يبدو أن كأس العالم 2026 سيُحسم خارج الملعب بنفس القدر الذي سيُحسم به داخله.
المنتخب الذي سيعرف كيف يدير ساعات طيرانه، ويحول طائراته إلى غرف استشفاء طائرة، هو من سيصل إلى الأدوار النهائية وهو يقف على قدميه.
بالنسبة لمحاربي الصحراء، فإن المسافات مهما طالت، لن تكون أبعد من حجم طموحهم في كتابة تاريخ جديد يضاف إلى السجلات الذهبية للكرة الجزائرية.