بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان، لا تبدو المعركة مقتصرة على خطوط المواجهة بين الجيش السوداني وميلشيا الدعم السريع، فداخل الأخيرة تتسارع وتيرة الانشقاقات وتزداد مؤشرات التململ الداخلي، في تطور يثير تساؤلات حول تماسك القوة التي شكلت أحد أبرز أطراف الصراع وحول ما إذا كانت هذه التحولات قادرة على إعادة رسم موازين الحرب فهل تمثل الانشقاقات بداية تآكل حقيقي داخل الدعم السريع؟ أم أنها مجرد ارتدادات مؤقتة في صراع لا يزال مفتوحًا على جميع الاحتمالات؟
ومنذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع في أبريل 2023 دخل السودان واحدة من أعقد أزماته السياسية والإنسانية، وحربا خلفت آلاف الضحايا، ودفعت الملايين إلى النزوح.
تزايد الانشقاقات داخل صفوف الدعم السريع
لكن المشهد الميداني يشهد مؤخرًا تطورًا لافتًا، يتمثل في تزايد الانشقاقات داخل صفوف الدعم السريع؛ فمنذ أواخر عام ألفين وأربعة وعشرين، أعلن قادة ميدانيون خروجهم من القوة، مصطحبين مجموعات قتالية وآليات عسكرية كاملة، في مؤشر يعكس ضغوطًا متزايدة على بنيتها التنظيمية
عسكريون يرجعون الأزمة إلى خلافات داخلية حول النفوذ والقيادة، إلى جانب الضغوط الميدانية، وتراجع القدرة على الحركة والإمداد، فضلًا عن الأعباء الاقتصادية للحقبة الممتدة
وتتجاوز التداعيات خسارة الأفراد إلى اهتزاز منظومة القيادة والسيطرة
وإقليميا.. تتابع دول الجوار التطورات بحذر؛ خشية أن يؤدي التفكك غير المنضبط إلى تدفقات جديدة للسلاح عبر الحدود والقبائل المشتركة، مهددًا أمن المنطقة بأكملها. فهل تقود هذه الانشقاقات إلى نهاية الحرب؟
المؤشرات تؤكد أنها تضعف أحد أطراف الصراع، لكنها لا تكفي وحدها لإنهاء المعركة في غياب تسوية سياسية شاملة.. وبينما يرى البعض في هذا التصدع بداية التآكل التدريجي، يحذر آخرون من فوضى سلاح بديلة.. لتبقى النتيجة رهنًا بمسار المعارك، وبقدرة القوى السودانية على الانتقال من منطق الحرب إلى منطق بناء الدولة.
انشقاقات تتوسع.. وحرب لم تضع أوزارها بعد يبقى السودان أمام مفترق طرق حاسم.. عنوانه الأبرز: كيف يمكن إنهاء الحرب.. قبل أن تستنزف ما تبقى من الدولة؟
المشهد اليوم داخل قوات الدعم السريع؛ صرح شيد على عجل من نسيج المصالح والوعود الطوباوية، وبات يواجه حقيقة قاسية أن السيف الذي أشهر لقطع رأس الدولة، يرتد اليوم ليقطع أطراف صانعيه.
فمن أبو عاقلة كيكل، الذي مثل يوما جسرا سياسيا واجتماعيا نحو وسط السودان، إلى النور القبة وعلي رزق الله “السفانة” وبشارة الحويرا، تتسع دائرة المغادرين، قادة أدركوا كلفة الحرب على مجتمعاتهم، وأهاليهم آثروا النجاة بأنفسهم، تاركين القيادة تواجه عزلة متزايدة بعد ثلاثة أعوام من حرب أكلت الأخضر واليابس.
ويعزو المراقبون جذور هذا التفكك إلى طبيعة البنية الداخلية للقوات القائمة على توازنات قبلية وعائلية هشة؛ حيث فجر إقصاء بعض القيادات إثر معارك شمال دارفور صراعات النفوذ المكتومة، وتزامن مع توقف الرواتب وانقطاع خطوط الإمداد بفضل تقدم الجيش السوداني.
الرمزية السياسية
ولا تقتصر أهمية هذه الانشقاقات على الرمزية السياسية، بل تتجاوزها إلى البعد العملياتي. فبعض المنشقين كانوا يمتلكون معرفة تفصيلية بخطوط الإمداد والتحركات الميدانية وشبكات التجنيد والعلاقات القبلية التي شكلت أحد أهم مصادر قوة الدعم السريع منذ اندلاع الحرب.
وتأتي هذه التطورات في وقت يواصل فيه الجيش السوداني محاولاته لاستعادة المزيد من المناطق الاستراتيجية، مستفيدا من حالة الاستنزاف التي تواجهها قوات الدعم السريع على أكثر من محور
ويبقى السؤال هل تكفي هذه الانشقاقات لإنهاء المأساة السودانية؟ المؤشرات الميدانية لا تقدم إجابة حاسمة حتى الآن
واليوم، بينما يغادر المنشقون السفينة المثقوبة، يعود التاريخ ليؤكد أن البنادق المستعارة خارج منطق الدولة قد تهدم البيوت، لكنها لا تبني وطنا.
وبين رهانات الحسم العسكري وتعقيدات الواقع الميداني، تبدو السودان أمام لحظة فارقة في مسار هذه الحرب الطويلة.