أصبحت النجوم الخمس التي تظهر أسفل التطبيقات والمطاعم والفنادق جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، لكن الأمر لم يعد يقتصر على تقييم الخدمات فقط، فقد امتدت ثقافة التقييم لتشمل الأشخاص والعلاقات والمحتوى وحتى أسلوب الحياة.
وأشارت دراسة صادرة عن مركز بيو للأبحاث إلى أن المنصات الرقمية غيرت طريقة تفاعل الأفراد مع العالم من حولهم وجعلت إصدار الأحكام وإبداء الرأي جزءًا مستمرًا من النشاط اليومي للمستخدمين.
كيف أصبح الرأي السريع عملة متداولة والجميع تحت التقييم؟
فرضت التكنولوجيا واقعًا جديدًا جعل كل شيء تقريبًا قابلًا للتقيي، فلم يعد المستخدم يكتفي بتجربة مطعم أو مشاهدة فيلم بل يسارع إلى منح تقييم وإبداء رأي وربما مقارنة تجربته بتجارب الآخرين.
ومع مرور الوقت انتقلت هذه العادة من الشاشات إلى الحياة الواقعية فأصبح الناس يقيمون اختيارات الآخرين وملابسهم وطريقة حديثهم وحتى تفاصيل حياتهم الشخصية.
وساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في تعزيز هذه الظاهرة بشكل واضح، فكل منشور أو صورة أو مقطع فيديو بات معرضًا لسيل من التعليقات وردود الفعل التي تحمل في جوهرها شكلًا من أشكال التقييم، كما دفعت خوارزميات المنصات المستخدمين إلى البحث عن القبول الرقمي من خلال الإعجابات والمشاهدات والتعليقات الإيجابية باعتبارها مؤشرات على النجاح أو الشعبية.
وأوجدت هذه الثقافة حالة من المقارنة المستمرة بين الأفراد، فأصبح البعض يقيس قيمة ما يقدمه بناءً على ردود أفعال الآخرين لا على قناعته الشخصية، كما تحول التقييم في بعض الأحيان من وسيلة لتحسين الجودة إلى أداة للحكم السريع وإطلاق الانطباعات دون معرفة كافية أو فهم عميق للظروف والملابسات.
وأثرت الظاهرة كذلك على العلاقات الاجتماعية، فبدلًا من منح الأشخاص فرصة للتعرف على بعضهم البعض بمرور الوقت لجأ كثيرون إلى إصدار أحكام سريعة اعتمادًا على موقف واحد أو منشور عابر أو صورة منشورة على الإنترنت، وأدى ذلك إلى انتشار الانطباعات المسبقة وتقليص مساحة التفاهم والتسامح بين الأفراد.
ولم تخلُ ثقافة التقييم من بعض الجوانب الإيجابية، فقد ساعدت المستهلكين على اتخاذ قرارات أفضل وشجعت الشركات والمؤسسات على تحسين خدماتها حفاظًا على سمعتها، كما أتاحت للناس فرصة التعبير عن آرائهم ومشاركة تجاربهم مع الآخرين بصورة أكثر سهولة من أي وقت مضى.
ورغم هذه الفوائد تظل المشكلة الحقيقية في الإفراط في التقييم وتحويله إلى أسلوب حياة، فليس كل شيء بحاجة إلى حكم فوري وليس كل شخص يمكن اختصاره في عدد من النجوم أو تعليق سريع، وبينما تزداد المساحات الرقمية التي تدعونا إلى تقييم كل ما نراه يبقى التحدي الأهم هو الحفاظ على قدرتنا على الفهم قبل الحكم وعلى الإنصات قبل إصدار التقييم.