اخبار

حين يصبح البيت فكرةً… وبابٌ أُغلق على عجل

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
حين يصبح البيت فكرةً… وبابٌ أُغلق على عجل

حين يصبح البيت فكرةً… وبابٌ أُغلق على عجل

في الجنوب لم تبدأ الحكاية بصوت حرب بل بدأت بصوت بابٍ أُغلق على عجل على أمل أن يُفتح بعد أيام.

قالت الأم: سنعود قريبًا…

وقال الأب ذلك بصمتٍ وهو يضع المفتاح في جيبه كأنه يحفظ وعدًا لا يموت.

لكن الأيام لم تعد أيامًا…

صارت غيابًا يتراكم فوق غياب.

في البداية كنّا نسأل: متى نعود؟

ثم صار السؤال: هل نعود؟

ثم اختفى السؤال…

وبقي شيءٌ يشبه الانتظار فقط.

هناك خلفنا…

بقي فنجان قهوة لم يُشرب…

وسريرٌ لم يُرتّب…

وصورةٌ لم يُنزع عنها الغبار…

وحياةٌ توقفت في لحظةٍ ولم تلتفت.

وفي أماكن النزوح لا أحد يتحدث كثيرًا…

فكل بيتٍ يحمل وجعًا لا يُقال.

أمٌّ تبتسم لأطفالها ثم تصمت حين ينامون…

وأبٌ يحاول أن يبدو قويًا بينما يفتقد تفاصيل حياته القديمة…

وأطفالٌ يسألون السؤال الذي لا يحتمل:

متى نرجع إلى بيتنا؟

ومع الأيام…

لم نخسر المكان فقط بل خسرنا شيئًا من أنفسنا كما كنّا هناك.

صرنا أقلَّ كلامًا…

وأكثر صبرًا…

وأشدَّ تعبًا من الشرح.

مؤلمٌ أن يُنتزع البيت من الإنسان…

لكن الأشدَّ قسوةً أن يتحول البيت إلى فكرةٍ نعيش عليها ولا نصل إليها.

ومع ذلك…

يبقى في الداخل ما لا ينكسر.

ليس قوةً خارقة بل إيمانٌ هادئ يشبه دعاءً يُقال في القلب دون صوت وقدرةٌ على الاستمرار رغم كل ما يثقل الأيام.

وفي مكانٍ ما من هذا الوطن تتشارك القلوب الوجع نفسه والرجاء نفسه.

لبنان مع الجنوب…

والجنوب مع لبنان…

رابطٌ واحدٌ في الأرض والإنسان يتقاسمه الناس في الألم كما في الأمل وفي المحنة كما في الرجاء.

سنعود…

ليس لأن الطريق سهل بل لأن الغياب مهما طال يبقى حالةً مؤقتة في قلب الإنسان.

سنعود إلى البيوت التي بقيت في الذاكرة أكثر من الواقع…

وإلى التفاصيل التي كانت تبدو عادية فاكتشفنا أنها كانت الحياة كلّها.

سنعود…

فالأبواب التي أُغلقت على عجل لا خُلقت لتبقى مغلقة.

والمفاتيح التي ما زالت في جيوب أصحابها ليست ذكرىً للماضي بل وعدٌ بالعودة.

وما زلنا كلما أمسكنا بمفاتيح بيوتنا نشعر أن الطريق إليها لم يغب… بل تأخر فقط.

فالبيوت قد تغيب عن أصحابها لكنها لا تغيب من قلوبهم.

اللهم في الجنوب قلوبٌ أنهكها الفقد فردَّ لها الحياة كما كانت أو أجمل وامسح عنها هذا الثقل وافتح لها أبواب الفرج قريبًا واجعل
عودة موعدًا يليق بهذا الصبر.

أخوكم المحامي وسيم منيف قليط