اخبار

من التهدئة إلى الاستنزاف.. كيف استغلت إيران رهان ترامب على السلام؟

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
من التهدئة إلى الاستنزاف.. كيف استغلت إيران رهان ترامب على السلام؟

بعد أسابيع من تأكيده المتكرر أن التوصل إلى اتفاق مع إيران بات وشيكًا، بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يبعث بإشارات توحي بتزايد إحباطه من مسار المفاوضات.

فالرئيس الذي منح الدبلوماسية فرصة طويلة، بات يتهم طهران بالمماطلة واستغلال الرغبة الأمريكية في تجنب التصعيد؛ ما أثار تساؤلات متزايدة داخل الأوساط السياسية الأمريكية حول ما إذا كانت واشنطن  فقدت زمام المبادرة في مواجهة إيران.

وبحسب تقييمات متزايدة في واشنطن، فإن الأسابيع التسعة التي أعقبت وقف إطلاق النار منحت إيران مساحة واسعة للتحكم بإيقاع المواجهة، بحسب “وول ستريت جورنال”.

وخلال هذه الفترة تمكنت طهران من إدارة مستوى التصعيد، عبر استهداف القوات الأمريكية أو حلفائها أو السفن التجارية، ثم تحديد توقيت التهدئة، بما أبقى واشنطن في موقع رد الفعل بدلًا من فرض الوقائع على الأرض.

استغلال التوترات في لبنان

كما اتهمت هذه التقييمات إيران باستخدام حلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم ميليشيا حزب الله، لإبقاء الضغوط قائمة على إسرائيل، ثم الاستفادة من التوترات الناتجة في لبنان لتعقيد المفاوضات مع الولايات المتحدة وإبطاء أي تقدُّم سياسي محتمل.

وخلال الأشهر الماضية، اتجه ترامب في معظم الأزمات إلى احتواء التصعيد سريعًا. فبعد المواجهات المتكررة في لبنان، ضغط من أجل تثبيت وقف إطلاق النار، كما قلل مرارًا من أهمية الهجمات الإيرانية على القوات الأمريكية، واعتبر بعضها ردود فعل محدودة لا تستدعي توسيع دائرة المواجهة.

وتكرر هذا النهج بعد الضربة الإيرانية الكبيرة التي استهدفت مطار الكويت، إذ وصفها ترامب بأنها ليست تطورًا خطيرًا، كما دعا إسرائيل إلى ضبط النفس عقب الهجوم الإيراني الذي استهدفها يوم الأحد، معتبرًا أن الصواريخ لم تتسبب بأضرار تستوجب ردًّا واسعًا.

غير أن هذا الأسلوب تعرَّض لانتقادات متزايدة بعد حادثة استهداف مروحية أمريكية من طراز أباتشي قرب مضيق هرمز يوم الاثنين. فالهجوم الإيراني كاد يؤدي إلى مقتل طاقم المروحية بعد إصابتها واحتراق أجزاء منها، ورغم ذلك وصف ترامب الحادث في البداية بأنه ليس تطورًا كبيرًا، مؤكدًا أن أي رد أمريكي سيكون متناسبًا مع الهجوم.

مواصلة طهران لسياسة الضغط

وفي إطار هذا الرد، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية الثلاثاء استهداف 20 موقعًا للدفاع الجوي الإيراني، بينما ردَّت طهران بإطلاق النار في منطقة الشرق الأوسط.

وجاءت الضربات بالتزامن مع هجمات إسرائيلية استهدفت منظومات دفاع جوي إيرانية أعيد بناؤها مؤخرًا؛ ما أثار تكهنات بشأن احتمال التحضير لعمليات أوسع مستقبلًا.

ويرى منتقدو سياسة البيت الأبيض أن إعلان واشنطن المسبق عن حدود ردّها العسكري يمنح إيران انطباعًا بأن الولايات المتحدة لا ترغب في العودة إلى الحرب؛ ما قد يشجع طهران على مواصلة سياسة الضغط التدريجي ورفع سقف التحدي.

وتزداد هذه المخاوف مع اعتراف ترامب نفسه بأن إيران استغلت فترة التهدئة لتحقيق مكاسب سياسية وميدانية. فقد أقر الرئيس الأمريكي بأن طهران تواصل المماطلة في المفاوضات، رغم الرهانات الأمريكية على قرب التوصل إلى اتفاق.

وفي المقابل، تحاول واشنطن الحفاظ على نفوذها عبر الضغوط الاقتصادية والعسكرية.

وكشف ترامب أن القوات الأمريكية نفَّذت منذ مايو مهمة سِرِّية لتأمين مرور 200 سفينة تحمل نحو 100 مليون برميل من النفط عبر مضيق هرمز، مؤكدًا أن هذه الجهود أسهمت في الحد من الارتفاعات الحادة في أسعار الطاقة العالمية.

خطط أمريكية لحماية الملاحة

ورغم ذلك، لا يزال مضيق هرمز بعيدًا عن العمل بطاقته الطبيعية؛ فقبل اندلاع الحرب كان نحو 130 سفينة تعبر المضيق يوميًّا، في حين ما زالت حركة الملاحة التجارية تواجه قيودًا ومخاطر كبيرة نتيجة التوترات المستمرة.

وتشير تقديرات أمريكية إلى وجود خطط عسكرية لتوسيع عمليات حماية الملاحة وفتح المضيق بصورة أكثر فاعلية، إلا أن الإدارة الأمريكية لا تزال مترددة في اتخاذ خطوات قد تؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة المباشرة مع إيران.

ويعتقد مسؤولون ومحللون أن القيادة الإيرانية تراهن على عامل الوقت، انطلاقًا من قناعتها بأن ترامب أكثر حرصًا على تجنّب حرب طويلة من حرصه على تصعيد المواجهة، وهو ما عززته التصريحات المتكررة للرئيس الأمريكي حول قرب التوصل إلى السلام.

وفي ظل هذا الواقع، تتزايد الدعوات داخل الولايات المتحدة إلى تبني سياسة أكثر حزمًا. فهناك من يرى أن استعادة زمام المبادرة تتطلب تغيير المعادلة الميدانية عبر كسر الضغوط الإيرانية في مضيق هرمز، وتعزيز حرية الملاحة، وتوسيع الضغوط على البرنامج النووي الإيراني.

خطوات أكثر جرأة

كما تبرز مقترحات أخرى تدعو إلى اتخاذ خطوات أكثر جرأة لزيادة الضغوط على النظام الإيراني وتقليص هامش المناورة الذي يتمتع به في الداخل والخارج.

ورغم استمرار ترامب في التعويل على إمكانية تحقيق اختراق دبلوماسي، فإن مؤشرات التشاؤم تتزايد حتى بين بعض الوسطاء المشاركين في الاتصالات غير المباشرة مع طهران. فطالما اعتقدت إيران أن واشنطن لا تملك خيارات كثيرة سوى التفاوض، ستواصل استخدام أوراق الضغط العسكرية والاقتصادية لتحسين موقعها التفاوضي.

وبين الرغبة الأمريكية في تجنب حرب جديدة، وإصرار إيران على اختبار حدود القوة الأمريكية، تبدو واشنطن أمام معضلة متزايدة: إمّا تغيير قواعد اللعبة وفرض وقائع جديدة على الأرض، وإمّا الاستمرار في إدارة أزمة تمنح خصمها القدرة على التحكم بإيقاع التصعيد ومواعيد التهدئة.