اخبار

الخداع الرقمي في خدمة تهريب النفط.. كيف يعمل "الأسطول المظلم"؟

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
الخداع الرقمي في خدمة تهريب النفط.. كيف يعمل "الأسطول المظلم"؟

أفاد تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال” أنه في الوقت الذي تنقل فيه ناقلات النفط شحنات خاضعة للعقوبات من إيران وروسيا حول العالم، يستخدم مالكوها المجرمون مزيجاً من الأدوات الرقمية للتحكم في الطواقم وإخفاء آثارهم.

وقد أدت هذه الممارسات، التي اكتشفتها فرق الأمن السيبراني التابعة لخفر السواحل الأمريكي، إلى تعريض السفن في ما يسمى بـ”الأسطول المظلم” لجهات خبيثة يمكنها استغلال نقاط الضعف هذه للتسبب في كوارث تشمل الانفجارات أو التسربات النفطية.

وترسم اكتشافات خفر السواحل، التي لم يتم الإبلاغ عنها سابقاً، صورة قوية لرؤساء العصابات الإجرامية الذين يتخلون تماماً عن تدابير السلامة المادية، بينما يعتمدون بشكل كلي على أنظمة معلوماتية يمكن استغلالها أو اختراقها، مما يجعل بعض ناقلات النفط هذه أكثر خطورة على البيئة وعلى البحارة الآخرين وعلى الطواقم الموجودة على متنها مما كان معروفاً في السابق.

مداهمات وتفتيش إلكتروني

ومع اقتراب الولايات المتحدة وإيران من التوقيع رسمياً على اتفاق لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، يرى المحللون أن عشرات السفن التابعة للأسطول المظلم العالقة في الخليج العربي وحوله قد تستأنف تجارتها غير المشروعة، مما يزيد بشكل كبير من عدد ناقلات النفط التي تطاردها الولايات المتحدة، ويعيد المزيد من القنابل الموقوتة المحتملة إلى المحيطات.

وكشف التقرير أنه بعد أن تقوم قوات النخبة الأمريكية بعمليات النزول السريع من المروحيات إلى أسطح ناقلات النفط والسيطرة عليها، غالباً ما يتبع ذلك عملية صعود أبطأ وأقل إثارة، حيث يتم إنزال فريق التحكم الإلكتروني التابع لخفر السواحل الأمريكي إلى السفينة في سلال، مصحوباً بأجهزة الكمبيوتر والمعدات التقنية اللازمة لتأمين وتحليل البنية التحتية الرقمية للسفينة.

وقد أثارت نتائج هذه الفرق، التي نُشرت تفاصيلها حصرياً، دهشة المسؤولين وقلقهم في آن واحد، حيث أكدوا أن السفن تتجاهل عمداً عمليات التفتيش المادية والتحقق الرقمي اللازمين عادةً لناقلات النفط المرخصة التي تحمل شحنات خطرة.

وبدايةً، غالباً ما تكون هذه السفن مزودة بأنظمة اتصالات باهظة الثمن وعالية النطاق الترددي، مما يضمن اتصالها بالإنترنت باستمرار.

كما أنها تُشغّل تطبيقات سطح المكتب عن بُعد مثل (AnyDesk) و(TeamViewer)، والتي تُمكّن مالكي ومشغلي الأساطيل السرية من التحكم في أنظمة السفينة والتلاعب بها بالكامل عن بُعد.

وبحسب التقرير، اكتشف خفر السواحل أن هذه التطبيقات كانت “منشآت دائمة”، وأن “الوصول غير المراقب مسموح به”، مما يعني أنه يمكن إنشاء اتصالات عن بعد دون وجود أي شخص في محطة العمل على متن السفينة.

وذكر التقرير أنه في حالة واحدة على الأقل، حاول مسؤولو “الأسطول المظلم” حذف البيانات الموجودة على متن سفينة عن بعد فور صعود القوات الأمريكية على متنها.

كما واجهت فرق الأمن السيبراني استخدام بعض السفن لبرامج مقرصنة لإدارة الأعمال والملاحة، تبين أنها محملة ببرمجيات خبيثة، حيث يرى المسؤولون أن أجهزة الكمبيوتر المصابة بهذه البرمجيات تشكل خطراً كبيراً عندما تتصل بأنظمة التشغيل والملاحة الحيوية للسفينة.

تكتيكات “الخداع الرقمي” 

وفي مسار التحقيقات، عثرت فرق الأمن السيبراني على أدلة دامغة تؤكد وجود عمليات تلاعب ورقمي واسعة على متن السفن، إذ كانت بعض ناقلات النفط مزودة بأجهزة متعددة لنظام التعريف الآلي (AIS)، التي تستخدمها أطقم الأسطول الخفي لبث هويات مزيفة للعالم.

وفي إحدى الحالات، عثر فريق متخصص في الأمن السيبراني على “مفتاح تبديل” كان البحارة يستخدمونه لتغيير أسماء السفن إلكترونياً، وهو ما يُعدّ بمثابة طمس رسمي للاسم الحقيقي للسفينة المحفور على هيكلها.

وفي هذا الصدد، أوضح الأدميرال ديفيد باراتا، نائب قائد العمليات والسياسات والقدرات في خفر السواحل، الأسلوب المتبع قائلاً: “على غرار ما يحدث عندما يبحث شخص ما في صفحات الوفيات ويختار اسماً، فإن مالكي الأسطول المظلم يبحثون عن السفن التي تم تفكيكها ونقلها إلى أحواض تكسير السفن، ثم يستخدمون نفس الأسماء بحيث يكون هناك على الأقل صدى في النظام الرقمي لوجود هذه السفينة”.

كما عُثر على سفن تابعة للأسطول الخفي مزودة بكابلات “إيثرنت” مُصممة خصيصاً ومُلحمة بمنافذ أنظمة التعرف الآلي (AIS)، مما مكّن طواقمها من بث بيانات موقع مُزيفة وإخفاء أماكن تواجدها الحقيقية. وذكر التقرير أنه تم العثور أيضاً على أدلة إرشادية وكتيبات على متن السفن تُفصّل طرقاً إضافية متقدمة لتزييف معلومات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS).

ردع الأنشطة المشبوهة

وفي الوقت الذي رفض فيه خفر السواحل الأمريكي تحديد هويات السفن التي كانت على صلة بنتائجهم، تؤكد هذه البيانات الاستنتاج بأن ناقلات النفط لم يتم التورط فيها عن طريق الخطأ في عمليات تجارية خاضعة للعقوبات، بل تم تصميمها وتعديلها عمداً للقيام بأنشطة غير مشروعة، وفقاً لما صرحت به ميشيل ويز بوكمان، كبيرة محللي الاستخبارات البحرية في شركة “ويندوارد إيه آي”.

وختمت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن مسؤولي خفر السواحل يهدفون من خلال نشر تفاصيل هذه الثغرات وتكتيكات التهرب إلى تشجيع الدول الأخرى على تكثيف جهودها الدولية لاعتراض هذه السفن، لاسيما وأنه منذ أن شنت الولايات المتحدة حملتها العالمية على هذا الأسطول غير الرسمي في ديسمبر الماضي، قامت دول مثل فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا بحظر ومصادرة ناقلات النفط الروسية، والتي كان آخرها عملية تفتيش خلال عطلة نهاية الأسبوع المنصرم، حيث صعدت قوات من مشاة البحرية الملكية البريطانية على متن ناقلة نفط مشبوهة أثناء إبحارها في منطقة القناة الإنجليزية.