اخبار

نار جنوب لبنان لم تنطفئ.. تحديات متصاعدة أمام إسرائيل

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
نار جنوب لبنان لم تنطفئ.. تحديات متصاعدة أمام إسرائيل

أعلنت واشنطن عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، في خطوة بدت كأنها محاولة لاحتواء التصعيد المتزايد على الجبهة الشمالية. لكن سرعان ما تبيّن أن هذه الهدنة أقرب إلى إطار سياسي غير مكتمل، إذ استمرت العمليات العسكرية بشكل متقطع في مناطق جنوب لبنان، ما أبقى المشهد الميداني مفتوحاً على احتمالات الانفجار مجدداً.

ورغم التصريحات الرسمية التي تحدثت عن “خفض التصعيد”، بقيت الاشتباكات المحدودة والضربات المتبادلة حاضرة على طول خطوط التماس. هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع العسكري يعكس هشاشة التفاهمات القائمة، ويؤكد أن أي وقف لإطلاق النار لا يزال بعيداً عن الترسخ الفعلي على الأرض.

تبادل القصف

أفادت وسائل إعلام لبنانية، السبت 20 يونيو 2026، بمقتل ما لا يقل عن 30 شخصًا في سلسلة غارات استهدفت مناطق في جنوب البلاد، وهي غارات يقول الجيش الإسرائيلي إنها جاءت ردًا على هجمات ليلية واسعة شنّها حزب الله ضد قواته في “منطقة الحزام الأمني” حسبما نشرت يديعوت أحرنوت العبرية.

ونقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول بارز في حزب الله تهديده بأن الحزب لن يسمح بـ”حرية حركة” لإسرائيل في ما وصفه بالأراضي اللبنانية المحتلة، معتبرًا أن “المقاومة مشروعة ما دامت القوات الإسرائيلية موجودة في لبنان”.

تهدئة مرتبطة بإيران

من ناحية أخرى، تسعى الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، إلى ضبط إيقاع التصعيد في المنطقة ضمن رؤية أوسع تتعلق بإعادة ترتيب الملفات الإقليمية، وعلى رأسها العلاقة مع إيران. ويبدو أن واشنطن تعتبر أن استمرار القتال في لبنان قد يعرقل مسار تفاهمات أوسع يجري العمل عليها في الخلفية.

هذا التوجه يضع إسرائيل أمام معادلة معقدة، إذ تجد نفسها بين التزامها الأمني تجاه حدودها الشمالية وبين ضغط الحليف الأمريكي الذي يدفع باتجاه تهدئة سريعة. ومن ثم، تتحول الجبهة اللبنانية إلى ورقة في صراع أكبر يتعلق بمستقبل التوازنات في الشرق الأوسط.

تحديات إسرائيلية

على الأرض، لا يزال جنوب لبنان يعيش حالة من التوتر المستمر، حيث تتواصل عمليات القصف المتبادل والاشتباكات المحدودة بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله. ورغم غياب حرب شاملة مفتوحة، فإن طبيعة العمليات تشير إلى استمرار نمط “الحرب الرمادية” التي لا تتوقف بشكل كامل ولا تتصاعد إلى مواجهة شاملة.

وفق ما نشرت هآرتس العبرية السبت، تواجه القوات المنتشرة تحديات ميدانية معقدة، أبرزها استخدام تقنيات قتالية حديثة مثل الطائرات المسيّرة والهجمات الدقيقة، إلى جانب طبيعة التضاريس الجبلية التي تزيد من صعوبة السيطرة الكاملة على المنطقة. هذا الواقع يجعل أي تهدئة عرضة للاهتزاز في أي لحظة.

إسرائيل بين الضغط والخسائر

في الداخل الإسرائيلي، يتصاعد الجدل حول جدوى استمرار العمليات في لبنان في ظل الخسائر البشرية المتزايدة وعدم تحقق أهداف واضحة ومحددة. بعض التقديرات العسكرية تشير إلى أن استمرار الانتشار في بعض المواقع لا يحقق مكاسب استراتيجية حاسمة، بل يرفع كلفة المواجهة فقط.

وفي المقابل، تواجه القيادة السياسية ضغوطاً مزدوجة: من جهة مطلب الردع الأمني في الشمال، ومن جهة أخرى القيود السياسية والدبلوماسية المرتبطة بالموقف الأمريكي. هذا التناقض يخلق حالة من الغموض حول مستقبل العمليات العسكرية في الجبهة الشمالية.

إيران وحزب الله

في الخلفية، تتابع إيران وحزب الله تطورات المشهد عن كثب، في إطار حسابات إقليمية أوسع. ويبدو أن طهران تنظر إلى التوتر في لبنان كجزء من شبكة صراعات مترابطة تمتد من غزة إلى سوريا وصولاً إلى الملف النووي والمفاوضات الدولية.

هذا الترابط بين الجبهات يمنح حزب الله هامشاً في إدارة التصعيد دون الانزلاق إلى حرب شاملة، مع الحفاظ على الضغط المستمر على إسرائيل. وفي المقابل، تحاول إيران توظيف هذا التوتر كورقة تفاوضية غير مباشرة في صراعها مع الولايات المتحدة.

 

هدنة معلقة

المشهد الحالي في جنوب لبنان لا يعكس نهاية مواجهة، بل حالة تعليق مؤقت لصراع مفتوح على عدة مستويات. فالهدوء النسبي لا يستند إلى تسوية نهائية، بل إلى توازن هش بين ضغط أمريكي، وحسابات إسرائيل الأمنية، واستراتيجية ردع إيرانية عبر حزب الله.

وبين هذه الأطراف الثلاثة، يبقى الجنوب اللبناني ساحة اختبار دائمة، حيث يمكن لأي حادث محدود أن يعيد إشعال مواجهة أوسع في أي لحظة، ما يجعل فكرة “وقف إطلاق النار” أقرب إلى هدنة مؤقتة منها إلى سلام مستقر.