هنا في الشرق الأوسط.. المستقبل يستدعي التاريخ، فهو لا ينهض بدونه، وإنما يستشهد بتجلياته، أو يتوكأ على حكاياته. أما التاريخ ذاته، بشخوصه ووقائعه، فإن له رموزاً وشفرات ما زالت تستعصي على التفكيك، ناهيك عن الحل، أو الفهم، أو عن حسابات الربح والخسارة.
بالوساطة في الصراع الأميركي-الإيراني، باتت باكستان لأول مرة، دولة شرق أوسطية، استدعتها الى المنطقة حاجة الجوار العربي إلى قوة نووية مساندة يأنس في ظلها وتحت حمايتها، ثم تجددت الحاجة الى استدعائها- بطلب حضور خليجي في الغالب- من هامش خريطة الصراع، إلى قلب الصراع ذاته، وها هي الآن وقد استمدت قدراً من الثقة بالذات، اكتسبتها بعد مواجهة عسكرية خاطفة مع الهند، تجلّى قرب نهايتها تفوق سلاح الجو الباكستاني، تنخرط في عملية وساطة تاريخية بحق بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما أخفقت الأولى في تركيع الأخيرة.
ضخامة الرهان في الحرب الأميركية على إيران، قادت بتداعي المنطق، إلى ضخامة جوائز الوساطة لإنهاء الحرب ذاتها، ما دفع باكستان إلى الإلقاء بثقل جهازها العسكري والسياسي خلف رهان للوساطة، ما كان له أن يكبر لولا حاجة طرفي الصراع إليه في كل من طهران وواشنطن. فالأولى تتعرض لاستنزاف مادي لا يمكن احتماله طويلاً، والثانية تتعرض لاستنزاف معنوي من شأن استمراره تقويض صورتها كقوة عظمى وحيدة.
المجد إذن للوسطاء، الذين يلقون بثقلهم المادي أو المعنوي على طاولات التفاوض بحثاً عن تسويات لا يمكن أن يبلغها سواهم دون أن تحترق أصابعه، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر وباكستان، الدولتان نجحتا معاً في “مأسسة الوساطة” عبر جهد دبلوماسي وسياسي مكثف، استوعب مصالحهما معاً في البقاء داخل المشهد التفاوضي.
هكذا رأينا طرفي الوساطة يعقدان اجتماعات رفيعة المستوى يشهدها رئيسا الوزراء في كل من الدوحة وإسلام آباد، ويصدران بياناً مشتركاً عقب اختتام الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في سويسرا، معلنين عن اختراق حقيقي في الملفات الشائكة. وأكد البيان المشترك للوسطاء، أن الأطراف اتفقت على جدول زمني صارم يهدف للتوصل إلى اتفاق نهائي شامل خلال 60 يوماً فقط، مع البدء الفوري في محادثات فنية مكثفة لترجمة التفاهمات السياسية إلى بنود تنفيذية. وفي تطوير لآلية الوساطة، قال بيان الوسيطين انه “لضمان استقرار أسعار الطاقة العالمية، تم إنشاء قناة اتصال مباشرة ودائمة بين واشنطن وطهران لتفادي الحوادث وسوء الفهم، مع تعهد متبادل بضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز الاستراتيجي”. وأعلن بيان الوسيطين الرئيسيين في مفاجأة سياسية كبرى، عن إنشاء خلية لتفادي التصعيد والتنسيق الميداني تضم الأطراف المعنية والجمهورية اللبنانية، بإشراف الوسطاء، لضمان الالتزام الكامل بوقف العمليات العسكرية في لبنان ومنع أي انفجار ميداني.
مستوى إنخراط الوسطاء قطر وباكستان في العملية التفاوضية، جاء أكبر من مجرد حامل حقيبة، أو ساعي بريد، فهو فضلاً عن دوره في دفع قضايا التفاوض، وإذابة أو تفكيك العقد، كان مبدعاً لسبل حلحلة العقد، ومنع التعقيدات، ولهذا رأينا الوسيط الباكستاني مثلاً حاضراً في واشنطن ضمن مهام الوساطة، عند مستوى رئيس الوزراء، وقائد الجيش. بينما كان أمير دولة قطر حاضراً بذاته في قمة الدول الصناعية السبع في فرساي، ودافعاً لمذكرة الأربع عشرة بنداً.
لعبت الوساطة القطرية -الباكستانية، دوراً محورياً في تحريك الأزمة الأمركية-الإيرانية بعيداً عن منطقة الانفجار، واستطاع الوسيطان، جنباً الى جنب مع كل من مصر وتركيا، تبريد الأزمة عبر جهد دبلوماسي خارق استطاع في النهاية بناء مذكرة تفاهم من 14 نقطة، وضعت خارطة طريق للمفاوضات ،التي نالت مهلة زمنية قدرها ستين يوماً، قابلة للتمديد، من أجل صياغة اتفاق سلام نهائي بين واشنطن وطهران.
سحر السياسة، ومكر التاريخ، لا يدعان مناسبة كبرى مثل توقيع مذكرة التفاهم، في قصر فرساي التاريخي، تمر هكذا دون وقفة في رحاب التاريخ، تستشرف مستقبلاً للاتفاق، أو تسعى لفك شفرته. لكن بعض شفرات التاريخ رقمية، عصية على الفك، منها مثلاً في الظرف الذي نحن بصدد اجتيازه، حكاية علاقة بعض الأزمات الكبرى بالرقم 14.
-فلماذا وقفت مبادئ الرئيس الأميركي وودرو ويلسون، المؤسسة لعالم ما بعد الحرب العالمية الأولى، عند الرقم 14؟!
ولماذا اكتفى محمد علي جناح، مؤسس دولة باكستان، بمشروع الأربع عشر نقطة الذي انتهى بولادة باكستان؟!
ولماذا اكتفت مذكرة التفاهم المؤسسة لمفاوضات السلام الأميركية-الإيرانية الأخيرة بأربعة عشر بنداً داخ صناع الدبلوماسية من أجل صياغتها، عبر رحلات مكوكية؟! لا أعرف، ولا أظن أن أحداً يعرف إن كان ثمة سر يكمن خلف الرقم 14 الذي تجسد في مبادئ ويلسون الأربعة عشر التي صارت بدورها أساساً لعالم ما بعد الحرب العالمية الأولى، ولصلح ڤرساي الذي قاد بدوره العالم الى الحرب العالمية الثانية.
نقاط محمد علي جناح الأربعة عشر مهدت لولادة باكستان التي تشارك الان في صياغة نظام اقليمي-دولي جديد عبر وساطة نشطة وبرنامج من 14 بنداً، قد يفضي الى عالم جديد وخريطة جديدة وحسابات قوة جديدة.. ألم أقل لكم في مستهل هذا المقال إن “المجد للوسطاء”؟!