الدول الضعيفة، الهشة، الحساسة التركيبة، التي تحتاج إلى صيانة دائمة ومتابعة وإعانة مستمرة، هي نموذج بلدنا لبنان الذي نحب ونعشق ونكره في آن معاً، أولاً وأخيراً.
منذ الاستقلال وقبل ذلك بكثير، لم ينعم لبنان، أو هذه البقعة الجغرافية، بالاستقرار والثبات لأكثر من عقد متواصل من السنوات على أبعد تقدير.
كان لبنان وما زال عرضة للاهتزاز والخضوع للامتحان الدائم واليومي والمستمر، والإشراف المتواصل عليه من قبل دولة ما في موقع “الدولة القطب”، باعتباره “دولة زبون”، تستعطي وتستجدي الأمان والسيادة والاستقرار، إما من دولة واحدة أو من عدة دول مجتمعة، حسب المرحلة وخصائصها والصراع والمصالح المتقاطعة التي تمر بالمنطقة والعالم.
قد تكون المرحلة الاستثنائية الوحيدة التي مرت على هذا الكيان، وتمتعت بالاستقرار والثبات، هي “مرحلة المتصرفية”، التي كان يقف على رأسها متصرف أو حاكم مسيحي الديانة، عثماني الجنسية، معين من قبل الباب العالي بإشراف غربي، أي دولي، وتحديداً بريطاني وفرنسي.
استمرت فترة المتصرفية، أي فترة الاستقرار الاستثنائية، نحو خمسين سنة ونيف بشكل متواصل، من 1860 حتى 1914، موعد اندلاع الحرب العالمية الأولى. وقد أطلق يومها ذاك المثل الشهير الأثر الذي يقول: “نيال من له مرقد عنزة بجبل لبنان”.
السبب في هذا الانطباع وتلك القناعة، هو الاستقرار والثبات الذي عاشه جبل لبنان في ظل حكم وصيغة المتصرفية. حيث انصرف سكان هذا الجبل إلى الاهتمام بأحوالهم بإمكاناتهم المحدودة جداً والمتواضعة. انصرفوا مضطرين إلى استصلاح الأراضي الصخرية الجبلية لزراعتها والعيش منها قبل أن يعاد وينضم إلى هذا الوطن سهل البقاع ومنطقة الجنوب الخصبة ومنطقة الشمال، وما سمي بالأقضية الأربعة التي كبّرت لبنان وزادت مساحته وإمكانياته وجعلته أو صيرته كبيراً، مع لعنة دائمة تقوم على استمرار الشقاق والخلاف والنقار الدائم بين مكوناته المتعددة.
مرد هذا الكلام اليوم هو الواقع الذي وجد فيه لبنان وشعبه ودولته، ومن دون استشارته ورغماً عنه، في قلب معادلة إقليمية دولية أُقرت إثر مفاوضات أميركية إيرانية، عمقها إقفال مضيق هرمز وأولوية فتحه لتنفس الاقتصاد العالمي.
وجد لبنان نفسه مأسوراً أو مربوطاً في البند الأول من مذكرة التفاهم، التي أقرت في مباحثات منتجع برغنشتوك في مدينة لوسرن السويسرية.
انتقل لبنان من مسار وحيد للمفاوضات مع إسرائيل في واشنطن معروف الوجهة، إلى مسار متعدد ومتسع تدور رحاه بين إيران وأميركا المتعثرة، بقيادة المتقلب غريب الأطوار دونالد ترامب.
هكذا انتقل لبنان، الذي هُدمت مدنه وقراه من دون أي رفة جفن أو تأثر إيراني، أو نجدة مرتجاة ومأمولة، إلى أن يصبح مهجة قلب ونفس إيران وقرة عينها وجوهرتها الغالية النفيسة.
أين كان هذا العشق وهذه الحمية الحامية، المتقدة، حين عربدت إسرائيل منذ بضعة أشهر، وقتلت من قتلت، وهدمت ما هدمت، وسفكت ما سفكت من دماء وازهقت من ارواح؟
أين كانت الصواريخ الباليسيتية الدقيقة؟ ولماذا لم تحم ما كان يجب حمايته وإيقاف هدمه وجرفه وذبحه وقتله وإبادته؟ أو الانتقام له ولدمه المسفوح غيلة؟
ليس مفيداً تعداد واستعراض التجارب المريرة التي عاشها لبنان، وكيف كانت الوقائع والتدخلات على مر الزمان والأزمات. إذ باتت معروفة ومكررة.
آخر عمليات الإنقاذ والرعاية، تمت مع ظهور ملامح الانهيار والتلاشي للبنان الكيان والصيغة، مع انتصاف عهد الرئيس المفدى العماد ميشال عون. إذ تكونت قناعة أن لبنان بحاجة إلى نجدة سريعة عميقة وفعالة ومباشرة، طالب بها كثر، وكان في مقدمتهم الموفد الرئاسي الفرنسي العريق والمخضرم، وزير الخارجية الأسبق جان إيف لودريان، الذي حذر من مخاطر انهيار وتلاشي الكيان.
انطلقت أعمال لجنة الوصاية على لبنان لإنقاذه، ودعيت باللجنة الخماسية، التي ضمت وأميركا والعربية السعودية وقطر ومصر في 30 كانون الثاني 2024.
نجحت اللجنة المكلفة إنقاذ لبنان في إعادة تكوين السلطة المنهارة عبر تأمين انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية، وفي تمهيد الطريق لتشكيل حكومة الرئيس الدكتور نواف سلام وانطلاق أعمالها ومواكبتها على وجه الخصوص في الملفات الأمنية والسيادية، وخصوصاً ملف حصر السلاح بيد الدولة وإحاطتها بالرعاية من اغلب الجوانب.
اللجنة الخماسية التي تحول السفير المصري الحالي علاء موسى إلى شبه ناطق رسمي باسمها، جمدت أعمالها ومهامها الفعالة بعد قرار حزب الله إعادة إدخال لبنان إلى قلب جهنم، مع القرار بإطلاق الصواريخ انتقاماً لاغتيال المرشد الإيراني واندلاع حرب إسناد إيران المشؤومة.
مع اندلاع الحرب الإسرائيلية الأميركية التي اسمّتها تل أبيب “زئير الأسد” وواشنطن “الغضب الملحمي”، وردت عليها إيران بعملية “الوعد الصادق 4″، لم يعد للجنة الخماسية القديمة بخصوص لبنان أي دور فعال، لأن دولها تحولت إلى دور الوسيط أو المتفرج على المواجهة أو المتلقي للنتائج بكل أبعادها.
نجحت الولايات المتحدة الأميركية في إحداث خرق دبلوماسي مهم في الشكل، وليس في المضمون، عبر فصل مسار لبنان التفاوضي الدبلوماسي عن ملف مباحثاتها مع إيران، من دون تحقيق أية نتائج فعالة، سوى المزيد من إحراج لبنان وسلطته الرسمية بسبب التقارب الشديد بين أهداف إسرائيل وأميركا في الحرب والتسوية.
لم تعط السلطة اللبنانية المطيعة أية ورقة جدية في يدها منذ انطلاق المفاوضات في واشنطن مع إسرائيل، واستمرت تل أبيب في تعنتها وتمادت في عدوانها على لبنان.
الموضوعية تحتم التسجيل أن نجاح إيران المحرجة بكمية الدم السائل والمراق بين الجنوب والبقاع والضاحية، من إدخال لبنان في الفقرة الأولى من مذكرة التفاهم مع أميركا، أعاد ربط لبنان بأزمة المنطقة بشكل فعال، وربط لبنان بإيران وتوجهاتها ومحاولتها استعادة نفوذها الذي كان قد تراجع مؤخراً في لبنان.
التطور المهم ظهر مع الإعلان عن لجنة خماسية جديدة تشرف وتتابع أوضاع لبنان مكونة من الدول المتصلة بالحرب الأخيرة.
العربية السعودية خرجت إلى الآن من عضوية اللجنة، فدخلت إيران بقوة وفعالية الربط بين الجبهات والصواريخ والغارات، مع أميركا وباكستان اللاعب الجديد على الساحة الإقليمية، فيما استمرت قطر في موقعها ودورها وسيطاً ومقرباً للمواقف والأفكار.
إذا كانت اللجنة الخماسية السابقة القديمة قد تمكنت من إعادة تكوين السلطة الحالية في لبنان، بعد أن سبق أن انهارت مع أفول نجم ميشال عون وعهده الزاهر بالإدارة الكارثية، ماذا ستكون مهمة اللجنة الجديدة المكونة حديثاً على وقع الحديد والنار والصواريخ والممرات البحرية واختناق الاقتصاد العالمي، وإعادة تنفسه؟